عادل حمودة
كتب
عادل حمودة

عادل حمودة يكتب: الحياة فى مدينة مصرية بلا كورونا

الناس فى المدينة الجنوبية يبتسمون رغم ضيق الحيلة فى الرزق 

السؤال الصعب: لم لا يعود الروس رغم بعثاتهم الأمنية التى أكدت سلامة المطار؟

الروسية لغة أجنبية أولى بسبب السياحة والزواج

عرفت شرم قبل تحريرها وخفت أن احتفظ بنظارة السادات المصنوعة من جلد ظهر سلحفاة

ليس فى الكون أروع من أن تستقبل العام الجديد فى مدينة مثل شرم الشيخ.

شمس حانية.. سماء صافية.. خضرة صافية.. فراشات حالمة.. حياة آمنة.. كورونا نادرة.. وبشر يبتسمون دائما رغم ضعف الرزق بسبب غياب السياحة.

يوفر الطريق الجديد ساعتين من القيادة وإن لا تزال الخدمات غير كافية وتقتصر على محطات وقود وطنية.

ولا تدخل سيارة المدينة إلا إذا مرت بأكملها من جهاز كشف المعادن مما يضفى شعورا بالاطمئنان منذ اللحظات الأولى.

ويبدو واضحا أن المدينة تعتز بنفسها وتحافظ على جمالها ونظافتها وزينتها سواء جاء إليها سياح أو بقيت وحيدة فى انتظارهم.

ولقلة البشر نجت المدينة من سوء الخلق الذى يسببه الزحام.. لا صراخ.. لا شجار.. لا سباب.. ولا صدام.

ما تكاد تعبر الشارع حتى تقف لك السيارات.. ما أن تسأل شخصا عن عنوان ما حتى يفيض فى الشرح.. وقبل أن تجلس على مائدة فى أحد مطاعم فارس حتى يطهرونها لك وهم يقترحون عليك طرقهم المبتكرة فى تقديم الأسماك.. وبقدر ما يفرحك مشهد سائحة تجرى أمامك بـ شورت ساخن فى حرية دون أن يضايقها أحد بقدر ما يحزنك الفنادق والمحلات التجارية والمزارات السياحية التى تغلق أبوابها واحدة بعد الأخرى.

ولكن ذلك لم يمنع توفير رعاية طبية حكومية متميزة.

أصرت سنة 2020 على أن تكون مؤلمة حتى آخر لحظة فى عمرها.. دون مقدمات شعرت بالتهاب حاد فى معدتى كأنه سيوخ من نار.. لم تفلح المعالجات العائلية.. واتجهت إلى المستشفى الدولى المصمم من الخارج على شكل هرم من الجرانيت الأسود على ما يبدو.. وأشهد أننى فور وصولى إلى منطقة الطوارئ وجدت رعاية سريعة.. فى نصف دقيقة كانت أجهزة قياس الحرارة وضغط الدم ورسم القلب جاهزة.. وجاء طبيب محترف مبتسمًا ليصف دواء شافيا حاسما.

أتذكر أننى فيما قبل اضطررت إلى دخول طوارئ مستشفى خاص فى مصر الجديدة وذهلت من غياب احتياطات كورونا بين الطاقم الطبى رغم الزحام الشديد وخرجت مسرعا للنجاة بحياتى بعد أن دفعت ألفى جنيه دون مقابل يذكر.

ولا تزال اللغة الروسية اللغة الأجنبية الأولى فى شرم الشيخ.. تبدو كلماتها وحروفها ظاهرة على واجهات المحلات والصيدليات ومراكز الغوص ولافتات خدمات سيارات الأجرة فى خليج نعمة.

وغالبا لا يوجد مقيم فى المدينة لا يجيد التحدث بها.. ويضاعف من إجادتها تزايد حالات الزواج من روسيات وأُكرانيات.. ووجود جيل جديد يحمل جينات الجنسين وجنسيتهما.

سمح لى طول الطابور أمام خزينة الدفع فى كارفور قرية سانتيرا بحديث عابر مع روكسولونا التى جاءت منذ ثلاثة شهور فى رحلة سياحية من مدينة خاركيف الأوكرانية لكنها وجدت من يطلب الزواج منها فوافقت على الفور وبررت قرارها قائلة :

وجدت شمسا دافئة تبعث الحياة فى جسمى الذى يبدو مجمدا أو محنطا من البرد غالبية شهور العام فى بلادى.

هنا أيضا مشاعر إنسانية دافئة يسهل على الرجال التعبير عنها ولا يضعفها سوى قلة الحيلة فى الحصول على الرزق.

قلة الحيلة فى الرزق أجبرت كثيراً من الزوجات الروسيات على العودة إلى بلادهن لتخفيف العبء عن أزواجهن.

منذ عامين سمعت من أحمد فى كارفور أنه يعمل فى وظيفتين حتى يدخر ثمن تذكرة السفر إلى مدينة سامارا الروسية التى تقع على البحر الأسود ليرى زوجته التى أخذت معه ابنهما ليوفرا تكاليف معيشتهما عليه بعد أن قلت الحيلة فى الحصول على الرزق.

لكنه بعد انتشار وباء كورونا لم يعد السفر ممكنا.

بدأت السياحة فى شرم الشيخ بأفواج من إيطاليا بعد أن شيد منتجع شيخ كوست الذى أثار حوله كثيراً من الشبهات.

وعرف كثير من البريطانيين بعد تقاعدهم الطريق إلى المدينة ولكنهم لم يغادروها بعد أن وقعوا فى هواها بل إن بعضهم اشترى شققا فيها بنظام التأجير لمدة 99 عاما.

وجاء الروس ليتقدموا كل الجنسيات عددا مما شجع المستثمرين على بناء المزيد من الفنادق والقرى السياحية ليرفعوا عدد الغرف إلى عشرين ألفا وكان المتوقع لا يزيد على خمسة آلاف غرفة.

لكن جاء حادث سقوط الطائرة الروسية فى سيناء أكتوبر 2015 ليدفع الروس إلى المغادرة بلا عودة لنجد أنفسنا بعد خمس سنوات من الحادث أمام أكثر من لغز كبير:

لم حرم الروس من شمس شرم الشيخ رغم تأكد السلطات الروسية ومعها السلطات البريطانية والإيطالية من إجراءات السلامة عالية المستوى فى المطارات المصرية؟.

لم تراجع المسئولون فى روسيا عن تصريحاتهم المبشرة بعودة السياحة الروسية إلى مصر؟.

لم ذلك الإصرار والعلاقات بين القاهرة وموسكو سياسيا وتجاريا وعسكريا وتجاريا ونوويا سمنا على عسل؟.

والمؤكد أن المؤتمرات الشبابية الدولية التى كانت تستضيفها المدينة أنعشت خلال فترة انعقادها المدينة اقتصاديا ولكن الأهم أنها لفتت انتباه العالم إليها بحوار ثقافى وحضارى يجرى على أرضها بين أصحاب المستقبل وصناعه.

كانت شرم تستضيف مؤتمرات السلام ولكنها كانت مؤتمرات للقادة ولكن مع مؤتمرات الشباب أصبحت الغلبة للشعوب والفارق كبير.

ولكن جاءت الجائحة لتحرم الأجيال الجديدة من مختلف أنحاء الدنيا من فرصة التلاقى والتفاهم رغم تعدد الألوان والأعراق والمذاهب والتصورات.

وبما تتمتع به شرم الشيخ من سحر لم تحتملها التنظيمات الإرهابية المجرمة الكارهة للحياة وعرضت المدينة لتفجيرات جعلت السياح يفرون منها ولكنها سرعان ما تعافت منها فعادوا إليها ثم تكررت حالات الفراق والشوق أكثر من مرة.

وهنا نجد تفسيرا مقنعا من محافظ جنوب سيناء اللواء خالد فودة: السياحة تمرض وتشفى ولكن لا تموت.

سمعت منه ذلك فى الاجتماع الأول لمجلس أمناء جامعة الملك سلمان فى جنوب سيناء الذى اخترت عضوا فيه ولكن متاعب صحية منعت من حضور اجتماعات تالية إلا عبر زوم.

والحقيقة أن علاقتى بشرم الشيخ بدأت والمدينة تحت الاحتلال الإسرائيلى.

كنت المراسل العسكرى لمجلة «روز اليوسف» المكلف بتغطية اجتماعات اللجنة العسكرية المسئولة عن ترتيبات الانسحاب الإسرائيلى من سيناء.

لكن فى بداية شهر يونيو عام 1981 اجتمع الرئيس أنور السادات مع رئيس الحكومة الإسرائيلية مناحم بيجن فى شرم الشيخ لبحث أمور لم نعرفها حتى اليوم.

كان الاجتماع فى المبنى السياحى الوحيد الذى بناه مستثمر إسرائيلى لهواة الغوص ووضع عليه اسم أوفيرا وهو الاسم العبرى لشرم الشيخ.

تجمع هواة الغوص أمام الفندق المتواضع الذى جلسنا فيه ننتظر انتهاء المحادثات مطالبين السادات بترك مستوطنة لهم بعد انسحاب جيشهم ولكن ذلك لم يحدث فقد أصرت مصر على خلو سيناء من كل الآثار الإسرائيلية.

كان الإسرائيليون يؤمنون بأن لا وجود لهم فى سيناء فلم يبنوا الكثير فى شرم الشيخ.. مجرد عدة عمارات سكنية متوسطة الارتفاع بالقرب من السوق القديمة.. ومدرسة للبيئة فى جبل مطل على خليج نعمة كانت فى الحقيقة غطاء لنشاط الموساد وتحولت فيما بعد إلى واحد من أشهر الفنادق وأكبرها.

لكن للإنصاف فإن أهم ما جنيناه من الاحتلال الممشى الفاصل بين الفنادق والبحر فى خليج نعمة مما منح حق التمتع بالشواطئ لكل من يشاء ولو لم يكن نزيلا فى فندق.. وهو ما لم يحدث فى قرى منتجعات الغردقة والساحل الشمالى ومنطقة الهضبة فى شرم الشيخ.

ولعدم توافر أجهزة رؤية ليلية فى المطار المتواضع الذى ستقلع منه طائرة الرئيس السادات كان لابد أن ينفض اجتماعه مع بيجن قبل غروب الشمس ولكن ذلك لم يمنعه من التحدث للصحفيين من على منصة وضعت على عجل.

تحدث السادات يومها عن قناعته بأن إسرائيل تريد السلام مع باقى الدول العربية ولكن لم تمر سوى ساعات قليلة حتى كانت القاذفات الإسرائيلية الثقيلة تفجر محطة المفاعلات النووية العراقية فى ضاحية قريبة من مدينة بغداد.

وتجلى السادات وهو يتحدث عن تحمله لتبعات الخطوة الجريئة التى دفعت به إلى زيارة العدو فى عقر داره ولكن لم يكن ليدرك أنه سيدفع الثمن غاليا من حياته بعد شهور قليلة.

وسعى مساعدوه جاهدين لإنهاء تصريحاته حتى لا تجبر طائرته على التخبط فى الظلام ومن سرعته فى ترك منصة المؤتمر الصحفى نسى نظارته الطبية ولم ينتبه إلى وجودها سواى.

وجدتها فرصة تاريخية أن أحتفظ بنظارة رئيس فى قامة السادات ستأتى بثروة فيما بعد فى عالم مجنون بالتذكارات الشخصية لحكامه ومشاهيره.

ولاحظت أنها خفيفة الوزن بما يصعب تصديقه وكأنها ورقة مطوية.

وخشيت أن أتهم بسرقة نظارة الرئيس فقدمتها مجبرا إلى أحد أمناء الرئاسة كنا نناديه بلقب عائلته: المنجورى وأسعدت الرجل بإعادة ما كان يبحث عنه ويكاد يفقد منصبه لضياعه ولكنى وجدتها فرصة لسؤاله: لم نظارة الرئيس خفيفة الوزن إلى هذا الحد؟.

وجاءت إجابته غير متوقعة: إنها مصنوعة من القشرة العليا من صدفة السلحفاة وهى تتمتع بصلابة رغم خفة وزنها.

من يومها ولمدة 40 سنة وأنا أحب شرم الشيخ بكل ما فى الحب من وفاء وإخلاص واهتمام.