عادل حمودة
كتب
عادل حمودة

عادل حمودة يكتب: سياسة أمنية جديدة فى الشرق الأوسط ينفذها البنتاجون

سر إقالة مدير الموساد

الإقالة اتخذتها لجنة جولد برج المسئولة عن مصير اليهود فى العالم بايدن يحذر من ضرب ضد إيران

كوهين نجح فى سرقة الأرشيف السرى النووى الإيرانى فى 2017

دون علم وزير الدفاع بينى جاتنتيس ورغم أنف رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو أقيل مدير الموساد يوسى مائير كوهين من منصبه.

أقيل فى منتصف ديسمبر وسط ذهول المؤسسات السياسية والحزبية والأمنية التى كانت تشيد بقدراته الخارقة فى التعامل مع ملف إيران العدو الملح للدولة العبرية.

لم يتوصل أحد إلى سر الإقالة غير المتوقعة فلم يكن أمام الجميع سوى الاجتهاد فى التفسير لعله يصيب.

فى يوم الأربعاء 14 ديسمبر 2016 بدأت أولى جلسات التحقيق معه فى شبهات فساد جناه من علاقته مع الملياردير الأسترالى جيمس باكر القريب من نتانياهو وعائلته.

كان فى ذلك الوقت يشغل منصب مستشار الأمن القومى (فى مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية) حين حصل من باكر على سبع تذاكر لحفل المغنية الأمريكية السمراء ماريا كارى عندما أحيت حفلها فى إسرائيل (يونيو 2005) واستفزت المسلمين عندما زارت حائط البراق والنفق الذى تحفره منظمة أمناء الهيكل (المزعوم) بهدف الوصول إلى الهيكل.

يومها أثير سؤال عن طبيعة العلاقة بينه وبين باكر.

وأثير سؤال آخر عن صداقته القوية بـ يائير ابن نتانياهو.

كان هو ويائير يستخدمان شقة يملكها باكر فى تل أبيب يقيم فيها كلما جاء إلى تل أبيب ولكن لم توضح التحقيقات ما كانا يفعلان فى الشقة وإن أوحت صحف إسرائيلية بأمور ما يسهل استنتاجها.

لكن لم يكن خرق القانون الذى يمنع الموظف العام من تلقى هدايا مادية أو عينية السبب فى إقالته بل على العكس جرت ترقيته باختياره مديرا للموساد (الموساد اختصار لجملة: استخبارات ومهمات خاصة).

أصبح كوهين مسئولا عن المهام الخارجية الخاصة بجمع المعلومات أو تصفية من تصنفهم إسرائيل أعداء أو تجنيد العملاء للعمل فى دول العالم المختلفة بما فيها الدول الصديقة.

والمؤكد أن كوهين حقق نجاحا وصل إلى حد سرقة الأرشيف السرى النووى الإيرانى فى 31 يناير 2017 وعرض بعضا منها نتانياهو على شاشة التليفزيون الإسرائيلى فيما بعد.

كانت إيران تحتفظ بأرشيفها النووى فى مستودع بالحى التجارى فى طهران حتى لا تلفت النظر إلى أهمية ما فى داخله.

استغرقت العملية نحو سبع ساعات عطلت فيها أجهزة إنذار تحيط بالمبنى مزدوج البابين وفتحت خزائن عملاقة خرج منها نحو نصف مليون طن من الوثائق فسرتها إسرائيل تفسيرا حربيا.

حسب تقرير نيويورك تايمز وصل عشرون من عملاء الموساد إلى الهدف فى الساعة العاشرة والنصف مساء حاملين شعلات حرارية تصل درجة حرارتها إلى 3600 درجة تكفى لقطع وفتح 32 خزينة حديدية لكن لضيق الوقت لم يتمكنوا من فتح كل الخزائن واستهدفت فى البداية الخزائن التى تحتوى على أغلفة سوداء والتى تضم أكثر التصميمات حساسية.

وعندما انتهى الوقت المتاح للعملاء فروا فى اتجاه الحدود ومعهم 50 ألف صفحة و163 قرص ذاكرة وفيديوهات.

والمؤكد أنهم حصلوا على مساعدة من داخل المستودع فقد كانوا يعلمون بالضبط أرقام الخزائن الأكثر أهمية كما أنهم عطلوا بسهولة أجهزة الإنذار.

وانتفخ كوهين بالثناء الذى تلقاه من الميديا وأجهزة الاستخبارات الصديقة فلم يتردد فى تنفيذ عملية اغتيال قاسم سليمانى (62 سنة) مهندس حروب إيران قائد فيلق القدس التابع للحرس الثورى الإيرانى والمسئول عن العمليات العسكرية والعمليات السرية خارج حدود بلاده.

فى الساعة الثانية من فجر يوم الثالث من يناير 2020 أطلقت صواريخ أمريكية من طائرة مسيرة بدون طيار استهدفت سليمانى وبجانبه أبو مهدى المهندس نائب قائد ميليشيات الحشد الشعبى العراقية الموالية لطهران.

القصف الجوى حدث بالقرب من صالة الشحن فى مطار بغداد بعد أن نزل سليمانى من طائرته التى هبطت للتو فى المطار.

جرى التعرف على جثة سليمانى المحترقة من الخاتم الذى كان يضعه فى أحد أصابع يده اليمنى.

واستكمل كوهين عملياته المفيدة لبلاده باغتيال العالم النووى الإيرانى محسن فخرى زادة.

لم يكن اغتيال زادة العملية الأولى من نوعها لتدمير البرنامج النووى الإيرانى خلال العشر سنوات الأخيرة.

وقعت تفجيرات فى معامل سرية لتخصيب اليورانيوم.

وإدخال فيروس ستوكسنت إلى أنظمة التشغيل بواسطة بيانات بدت بريئة.

رصد خط سير زادة ولوحظ أنه لا يغيره وسهل ذلك إطلاق النار عليه بدقة من رشاش روبوت جرى التحكم فيه عن بعد.

نفذ العملية وحدة كيدون الوحدة المكلفة بالتصفية الجسدية فى الموساد.

(سبق أن نفذت تلك الوحدة عملية اغتيال عالم الذرة المصرى الدكتور يحيى المشد فى باريس وهو يتعاقد على كميات من اليورانيوم لصالح البرنامج النووى العراقى كما سبق أن دمرت الطائرات الإسرائيلية المفاعل النووى العراقى على أطراف بغداد).

أكثر من ذلك ساهم كوهين مع شخصيات إقليمية وأمريكية فى وضع خطة لضرب المفاعل الإيرانى بطائرات تى 52 بتعليمات مباشرة من دونالد ترامب بعد اجتماعات دامت أكثر من سبعين ساعة متواصلة.

ولكن فجأة شطبت العملية وأقيل كوهين.

فى البداية قيل أن السبب إن طائرات إيرانية بدون طيار نجحت فى اختراق إسرائيل وصورت ما شاءت بحرية وكانت قادرة على الوصول إلى مكتب نتانياهو.

وقيل أيضا إنه فشل فى ثلاث عمليات داخل إيران وفى عمل الموساد مرة واحدة فاشلة تكفى لمحو عشرات المرات الناجحة.

لكن ذلك ليس السبب الحقيقى.

السبب الحقيقى أن الإدارة الأمريكية تغيرت تماما.

أقر المجمع الانتخابى الأمريكى بفوز جو بايدن بالرئاسة الأمريكية وفى اليوم نفسه أقيل مدير الموساد واختير نائبه للقيام بأعماله ولو مؤقتا.

لم يكن نتانياهو راغبا فى التخلص من يوسى كوهين ولكنه أجبر على التوقيع على القرار غصبا بعد أن اتخذته لجنة جولد برج.

لجنة جولد برج لجنة مكونة من كبار الشخصيات اليهودية فى الولايات المتحدة وتعتبر اللوبى اليهودى هناك المعروفة باسم لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية أو إيباك غطاء لها وتلك اللجنة المسئولة عن القرارات المصيرية للدولة العبرية ولا يحق للحكومات ولو كانت منتخبة رفض قراراتها أو مراجعتها أو حتى مناقشتها.

اتخذت اللجنة قرار التخلص من يوسى كوهين بعد اتفاق مع الجنرال روبرت أشلى مدير مخابرات البنتاجون الذى عبر عن السياسة الأمنية الجديدة لحكومة جو بايدن وعلى رأسها إيقاف الأعمال العدائية ضد إيران تمهيدا لتجديد المفاوضات حول الاتفاق النووى.

كان ترامب قد أوقف العمل بالاتفاق النووى الذى باركه أوباما وقبلت به الدول الأوروبية وحاصر إيران حتى كادت تختنق وبارك عمليات الموساد فى داخلها وأبدى استعدادا لغزوها قبل انتهاء رئاسته فى 20 يناير.

أراد بايدن بإحياء سياسة أوباما أن يساند المعتدلين فى إيران وعلى رأسهم حسن روحانى (رئيس الجمهورية) فى مواجهة الصقور الذين يمثلهم آية الله خامئنى (المرشد الأعلى للثورة الإسلامية) الذى أفتى مؤخرا بتصنيع القنبلة النووية ردا على عمليات الموساد داخل بلاده ويسانده فى تشدده الحرس الثورى.

والمعروف أن ما يصدر عنه من فتاوى يجب تنفيذها ولو طال الزمن ومثال ذلك فتوى قتل سلمان رشدى بعد نشر روايته آيات شيطانية.

السياسة الأمنية الجديدة لحكومة بايدن تقضى بتجنب الأجهزة المختصة العنف فى تنفيذ المصالح الخارجية لبلادها وعدم التدخل فى شئون الدول الأخرى والعمل على تهدئة التوترات والاختلافات والصراعات الداخلية لتحقيق السلام لو كان مفقودا.

ولم تكن إسرائيل وحدها التى واجهت التحذير وإنما سبقتها تركيا.

حذر الجنرال أشلى الرئيس التركى رجب أردوجان من استمرار سياسته التوسعية العدائية مستخدما جهاز استخباراته ميلفى استيبرت ديسكليتى (ميت اختصارا).

بدأ أشلى بالدولتين الأكثر جنوحا للتجاوز.

ولو كف عن تصرفاتهما الطائشة فإن المنطقة ستعرف استقرارا لم تشهده من قبل.

أمريكا ستختلف فى العام الجديد وسيختلف العالم معها غالبا.