كنائس لم تلتزم بقرار البابا بالغلق بسبب كورونا

بوابة الفجر
كثيراً ما واجه البابا تواضروس انتقادات بسبب مواقفه الإصلاحية وآرائه التنويرية فى قضايا عديدة، ولعل أبرزها الانفتاح على الكنائس الأخرى، ومناقشة أفكار لم تطرح من قبل فى الكنيسة الأرثوذكسية، مثل توحيد الأعياد والاعتراف بمعمودية طوائف أخرى، وكذلك وضع قانون الأحوال الشخصية الذى ظل أزمة مئات الأسرة العالقة تحت شعار «لا طلاق إلا لعلة الزنى».

ومع بداية أزمة كورونا طالت قداسته بعض الانتقادات نتيجة حرصه على منع التكدس فى الكنائس للحد من انتشار فيروس كورونا، وأيضاً ما طرحه للنقاش بالاستغناء عن ملعقة التناول «الماستير»، والتى اعتبرها الكثيرون من آباء المجمع المقدس إنه إنكار لحماية الله للأقباط أثناء الصلاة والتناول.

ما حدث فى الموجة الثانية للفيروس جدد صدام غير معلن بين رأس الكنيسة وبعض الأساقفة المحافظين، ووضع البابا فى حيرة، خاصة أنه كان قد أعلن مع الموجة الأولى للفيروس غلقًا كاملاً للكنائس، وما ساهم فى تمرير القرار وقتها أنه كان معمماً على مستوى الدولة بالكامل، خاصة دور العبادة، سواء مساجد أو كنائس، وجاء بناء على توصيات من الحكومة.

ولكن حتى الآن تتخذ كل مؤسسة ما تراه متوافقاً مع إجراءات الحد من انتشار الموجة الثانية للفيروس بما يناسب ظروفها، وهو ما دفع البابا حرصاً منه على سلامة المصلين والوطن بأكمله، لوقف الصلاة فى الكنائس بمحافظتى القاهرة والإسكندرية التابعتان لقداسته مباشرة، مع إمكانية إقامة قداس مرة واحدة فى كل كنيسة بحضور كاهن واحدة و5 شمامسة على أقصى تقدير، دون حضور المواطنين، وكذلك توقف أى صلوات أو احتفالات أخرى مثل تسبحة كيهك التى تقام طوال ليالى شهر ديسمبر، وأيضاً احتفالات رأس السنة وعيد الميلاد المجيد، وترك البابا القرار فى باقى المحافظات لأسقف أو مطران كل إيبارشية يحدد ما يجده فى صالح كنائسه، وطبقاً للحالة الصحية، ومستوى العدوى فى محافظته.

أما الغريب فهو عدم التزام الأساقفة بالقرار، رغم أن البابا هو رأس الكنيسة ورئيس الأساقفة، وقراره ينفذ على الجميع، ولم يكن فى حاجة لأن يصدر قرارات تخص إيبارشيتيه فقط، بل إن سلطته تسمح له أن يتخذ قرارًا بشأن الكنيسة بجميع إيبارشياتها فى مصر وأيضاً فى المهجر، واستمر الأساقفة على نفس الوتيرة فى إقامة القداسات الأسبوعية بحضور المواطنين، لكن بعضهم اكتفى بزيادة عدد القداسات لتكون يومية، مما يخفف التكدس فى الصلاة الأسبوعية.

وبالطبع استمر التناول بشكله الحالى، ليحصل جميع المصلين فى الكنيسة على جرعة التناول «عصير العنب» بنفس الملعقة ما بين رجال ونساء وأطفال وقساوسة وشمامسة، رغم أن الكنيسة كانت قد شهدت وفيات بين الكهنة تجاوزت 20 حالة خلال أيام قليلة، مما يعنى احتمالية انتشار العدوى بين المصلين.

كل هذا إن دل على شىء فهو يدل على وجود خلاف غير معلن بين البابا وعدد ليس بقليل من الأساقفة، وهذا الخلاف غالباً مرتبط بطريقة التفكير، فالبابا يحاول أن يستخدم العقل فى التعامل مع الأمور التى تتعلق بمصير الأقباط، بينما يتعامل بعض رجال المجمع المقدس بقدر كبير من التشدد والأصولية فى فهم الدين، بغض النظر عن العواقب. مصادر مقربة من دوائر اتخاذ القرار بالكنيسة روت لـ«الفجر» كواليس ماحدث بين البابا وبعض الأساقفة، مشيرين إلى أن قداسته خلال اتخاذ قرار الغلق الكلام للحد من انتشار الفيروس فى الموجة الأولى حدث صدام بينه وبين بعض الأساقفة، الذين أبدوا رفضهم باعتبارهم أصحاب القرار فى إيبارشياتهم، ورغم إعلان الكنيسة الإغلاق الكامل إلا أن بعضهم خالف القرار، سواء بشكل معلن أو بطريقة ملتوية، وهو ما أحرج البابا أمام الجهات المعنية بالدولة، ولذلك فكر قداسته بألا يضع نفسه فى هذا الموقف مرة أخرى هذه المرة وترك القرار لكل أسقف.

وتؤكد المصادر التى فضلت عدم ذكر اسمها، أن البابا حزن فى نفسه حينما لم يجد استجابة من الأساقفة، وشعر المقربون بدهشته.

ورغم هذا كان حريصاً على ألا يسأل أى أسقف عن قراره ولا حتى مناقشته فى مسألة ضرورة الإغلاق، وخطورة الاستمرار فى عدم اتخاذ إجراءات احترازية، وأن سلامة الأقباط مسئولية رجال الكنيسة، بل التزم الصمت.

البابا كان على يقين أنه حتى وإن أعلن بشكل منفرد عن قرار بالإغلاق الكامل للكنائس فى سائر البلاد، فإن هناك إيبارشيات سوف تخالف القرار، مما يزيد البلبلة والجدل والاحتقان، وهو ما يحاول البابا تجنبه على الأقل فى الوقت الحالى حتى تعبر مصر أزمة وباء كورونا.

وتضيف المصادر أن الخلاف حول إغلاق الكنائس من عدمه ما هو إلا مؤشر لحالة الخلاف الفكرى بين رأس الكنيسة وبعض الأساقفة، لأن الكثير منهم يفكر بشكل دينى بحت متشدد، بينما البابا عقلانى ويزن الأمور بالمنطق.

حتى إن البعض من الآباء الأساقفة اعتبروا مجرد طرح البابا لاحتمالية التفكير فى إلغاء استخدام ملعقة التناول والرجوع للأصل وهو غمس الخبز فى عصير العنب، فى نفس حجم مناقشة الاعتراف بمعمودية بعض الطوائف الأخرى.