منال لاشين
كتب
منال لاشين

منال لاشين تكتب: 50 عامًا على رحيل الجسد (5) | عبدالناصر للأمريكان: اشربوا من البحر

Advertisements
الرئيس الأمريكى الوحيد الذى توافق مع جمال اغتيل 

لعبة المعونة فشلت مع عبدالناصر.. ومسئولون أمريكان: أخطأنا فى عدم تمويل السد العالى 

خازوق روزفلت لا يزال شاهدا على نزاهة عبدالناصر


لبست أمريكا وجه البراءة مع ثورة يوليو فى البداية أرادت احتواء الضباط الأحرار بأى طريقة، فى ذلك الوقت كان كل منهما الثورة وأمريكا فى بداية صعود نجمهما، أمريكا تريد أن تحتل مكانة بريطانيا العظمى فى العالم الجديد.. عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، والثورة أو بالأحرى عبدالناصر يحلم ويعمل لبناء مصر قوية رائدة فى العالم الجديد أيضا.


ولكن شهر العسل انتهى بسرعة بين أمريكا والضباط الأحرار، وجهت أمريكا صفعة للثورة فى تمويل السد العالى أو بالأحرى صفعة لعبدالناصر، كان الرفض مهينًا لمصر وقادتها واقتصادها، وكان رد مصر عبدالناصر صدمة كهربائية، تأميم قناة السويس، والتأميم هو لحظة الطلاق العلنى بين عبدالناصر والأمريكان باستثناء لحظة توافق مؤقت انتهت بالاغتيال والدم والرصاص، سوف يظل شبح عبدالناصر يطارد كل رئيس أمريكى من الـ46 رئيسا أمريكيا، كل المؤسسات الأمريكية تريد أن تتأكد أن إعادة إنتاج عبدالناصر الآخر أو بالأحرى مشروعه فى المنطقة من رابع المستحيلات.

1- خازوق روزفلت

فى حياة أمريكا اثنان من الرؤساء يحملان لقب روزفلت، أحدهما من الآباء المؤسسين والآخر رئيس أمريكى متغطرس، ظن أنه يستطيع أن يشترى ذمة عبدالناصر وزملائه بكام مليون دولار، أرسل روزفلت مبعوثًا خاصًا ومعه مبلغ 3 ملايين دولار وهو مبلغ يتجاوز الـ300 مليون دولار بأسعار أيامنا، وقال إن المبلغ من الأموال السرية حتى يستخدمها عبدالناصر ورفاقه فى أى شىء بسرية ودون ضمها للموازنة، فى البداية فكر عبدالناصر فى رفض الرشوة، ولكن جاءته فكرة أخرى عبقرية، أخذ الأموال وأعلن عن الرشوة، وخصصها لبناء أعلى برج فى المنطقة، برج عالمى بأعلاه مطعم دوار وكانت المطاعم الدوارة نادرة جدا، واختار المصمم العالمى زهرة اللوتس لشكل البرج، ولكن المصريين أطلقوا على البرج خازوق روزفلت، لقد أراد عبدالناصر أن يظل درسه أو بالأحرى صفعته لرشوة أمريكا شامخة أمام الجميع، وقد حاولت أمريكا مرات عديدة رشوة سياسيين وتنفيذيين فيما بعد عهد عبدالناصر من خلال المعونة والشركات الأمريكية العاملة فى مصر.

وحاولت أمريكا الضغط على عبدالناصر بتقليل المعونة الأمريكية، فرد عبدالناصر فى خطاب شهير: مش عايزين المعونة واللى مش عاجبوا سياستنا يشرب من البحر.. اشربوا من البحر.

2- شهر عسل

كان لعبدالناصر مقولة أخرى للسخرية من أمريكا، فكان يقول: اللى يجى من الغرب عمره ما يسر القلب، كان الزعيم يعرف أن السياسة الأمريكية تهدف إلى السيطرة على مقدرات الشعوب، وإجبارها على دخول أحلاف الغرب (مثل حلف بغداد) وتركيع العرب لصالح إسرائيل يد وأداة أمريكا فى المنطقة، ولذلك رفض سياسة الأحلاف والغطرسة الأمريكية، وشهر العسل الخاطف بينه وبين أمريكا كان خلال رئاسة الرئيس الديمقراطى الشهير جون كنيدى، أن ديمقراطية كنيدى تختلف على أرض الواقع عن ديمقراطية أوباما أو جو بادين، الفوضى الخلاقة والغطرسة الأمريكية بأنها تعيد بناء العالم أو تشكيل خريطة الشرق الأوسط.. لقد كان كنيدى فى تاريخ أمريكا حلمًا رائعًا لم تحتمله غطرسة أجهزة مخابراتية وشركات السلاح، حاول كنيدى أن يمد جسور التفاهم والسلام مع عبدالناصر، وكانت بينهما رسائله وعلاقة تنمو تجاه علاقة طبيعية بين مصر وأمريكا، ومراعاة الحقوق الفلسطينية، وأن يثبت أن السلام والاستقرار يتحقق بالتفاهم وليس بالقهر، لكن سرعان ما تحول الحلم إلى كابوس بعد اغتيال جون كنيدى وعودة الغطرسة الأمريكية، فانتهى شهر العسل بين عبدالناصر وأمريكا بالرحيل الدرامى لكنيدى ومضى الرئيس الممل جونسون.

3- خطايا أمريكا

على امتداد علاقة أمريكا بعبدالناصر ارتكبت الإدارة الأمريكية حينا والمخابرات حينا آخر خطايا عديدة، أول هذه الخطايا، أنهم رفضوا تمويل السد وهى خطوة ما قبل الطلاق بين مصر وأمريكا، وفى مذكرات عدد من كبار المسئولين الأمريكيين اعتراف بخطأ أمريكا بعدم دعم مصر لبناء السد العالى، ثانى الخطايا، أن كبار المسئولين الأمريكيين فى الأجهزة المختلفة كانوا مصرين على أن لعبدالناصر نزوة أو رشوة أو خطيئة، وظلوا بعد وفاته ولمدة عام يبحثون فى كل البنوك عن أرصدة سرية لعبدالناصر أو أملاك خارج مصر وفشلوا لأن عبدالناصر عاش نزيها ومات نزيهًا، الخطيئة الثالثة، هى انحياز أمريكا الأعمى لإسرائيل، وهذا الانحياز جعلها ترفض تسليح مصر فى عهد عبدالناصر، فدفعته بذلك إلى المعسكر الشرقى.

أما رابع الخطايا، فهى أن أمريكا بأجهزتها ظلت مقتنعة أن عبدالناصر ديكتاتور يقهر شعبه، وعندما مات عبدالناصر صدموا بجنازته، ملايين المصريين فى جنازته وهى واحدة من أكبر الجنازات على مستوى العالم، قد ظلت هذه الصدمة محفورة فى العقل الأمريكى، وبعد 17 عاما من رحيل عبدالناصر عادت صدمة جنازة الزعيم مرة أخرى، وكان ذلك من خلال جنازة الرئيس الراحل السادات، وقد حضر جنازة السادات ثلاثة من الرؤساء الأمريكيين السابقين، وكانت المفاجأة أن الجنازة الدولية للسادات والتى كانت تبث على الهواء مباشرة شبه خالية من المصريين العاديين، فسألت مذيعة أمريكية شهيرة مراسلها فى القاهرة: أين الشعب المصرى؟ ولماذا لم يخرج الملايين لوداع السادات مثلما فعلوا مع عبدالناصر؟ فرد المراسل على الفور: لقد كان الرئيس السادات مهتمًا بالعلاقات الأمريكية والخارجية فأحبوه الرؤساء وحضروا جنازته، بينما كان عبدالناصر مهتمًا بشعبه فأحبه شعبه وخرجوا بالملايين فى جنازته، إن الخطيئة الأمريكية لا تزال مستمرة لأن جو بايدن الديمقراطى والذى كان يعبد جون كنيدى لا يزال يؤمن أنه يمكن لأمريكا أن تفرض ارادتها على الشعوب بالقوة الناعمة أو المفرطة أو المؤامرات، فالخطيئة الأمريكية لاتزال مستمرة رغم رحيل الزعيم جمال عبدالناصر، أم الرعاية الأمريكية لمحاولات اغتيال عبدالناصر فتلك قصة أخرى.