عادل حمودة
كتب
عادل حمودة

عادل حمودة يكتب: لماذا ينقسم العالم إلى أمم حققت الازدهار وأمم مهددة بالانتحار؟

Advertisements
ما الفرق بين الثروة التى كونها بيل جيتس فى أمريكا وأحمد الزيات فى مصر؟

32 رجل أعمال استحوذوا على الثروة فى نظام مبارك وردوا الجميل إليه بتوريث ابنه الحكم

لماذا تفشل الأمم؟.

سؤال صعب عجزت البشرية عن الإجابة عليه حتى أصابها اليأس.

لكن بجرأة نحسدهما عليها أعاد اثنان من علماء الاقتصاد السياسى هما دارن أسيموجلو وجيمس روبنسون طرح السؤال من جديد بل وضعوه عنوانا لكتابهما: لماذا تفشل الأمم؟.

أكثر من ذلك جاءت إجابتهما عن السؤال كفيلم سينمائى مثير وممتع يمسك بأنفاس من يتابعه من الجلدة إلى الجلدة.

كل مشهد من مشاهد الكتاب يشخص سببا ويكشف عيبا ويقترح حلا.

ولنبدأ بأنفسنا.

1- المشهد الأول: فى صحة جمال مبارك

لم يزد عدد الحيتان القريبة من مبارك والمسيطرة على الاقتصاد عن 32 رجل أعمال منهم أحمد الزيات الذى ولد باسم إفريم دافيد الزيات.

ولد الزيات عام 1962 فى أسرة يهودية عاشت فى حى المعادى وعند بلوغه الثامنة عشرة سافر إلى الولايات المتحدة ليدرس فى جامعة شيفا قبل أن يحصل على الماجستير والدكتوراه من جامعتى هارفرد وبوسطن.

تعرف على جمال مبارك وأصبح قريبا منه مما سمح له بالتجول فى القصر الرئاسى أكثر من مرة لكن الأهم أن هذه العلاقة جعلته مليارديرا فى لمح البصر.

بتعليمات عليا رفضت حكومة عاطف عبيد بيع شركة الأهرام للمشروبات لتحالف يضم فؤاد سلطان ومحمد نصير ومحمد رجب بمبلغ 400 مليون جنيه بحجة أن السعر منخفض.

لكن الزيات بسبب قوة اتصالاته حصل على الشركة دون أن يدفع مليما.

كان الزيات يدير مجموعة الأقصر للاستثمارات المالية ونجح فى إقناع جمال مبارك بطرح أسهم الشركة فى بورصة لندن لتستحوذ شركته على 74.9 % من الأسهم مقابل 68,5 جنيه للسهم وبعد ثلاثة أشهر حقق السهم ربحا صافيا وصل إلى 36 % مما أتاح للزيات مكسبا يصل إلى 231 مليون جنيه إسترلينى عرضها لشراء الشركة.

كان الزيات يدير مجموعة الأقصر للأوراق المالية ونجح فى إقناع جمال مبارك بطرح أسهم شركة الأهرام للمشروبات فى بورصة لندن لتستحوذ مجموعة الأقصر على 74.9% من الأسهم مقابل سعر بخس للسهم لم يزد عن خمسة جنيهات استرلينية وبعد ثلاثة أشهر قفز السعر عشرة أضعاف ليحقق الزيات ربحا صافيا يصل إلى 231 مليون جنيه استرلينى عرضها لشراء شركة الأهرام للمشروبات.

كانت حيلة شيطانية حصل بها الزيات على الشركة مجانا لكن هذه الحيلة لم تكن لتنجح لولا دعم صديقه جمال مبارك.

كانت الشركة تحقق أرباحا سنوية قيمتها 41.3 مليون جنيه وكان احتياطها النقدى 93 مليون جنيه لكن الزيات لم يكتف باحتكار البيرة بل قرر احتكار النبيذ بشراء شركة جناكليس التى تستولى على 70% من حجم سوق الخمور وتتقدم الشركات الرابحة.

وبدعوى التوسع فى استثماراته اقترض الزيات من البنوك بأجل سداد مفتوح ودون فوائد متراكمة وفى الوقت نفسه قرر بيع شركة الأهرام إلى شركة هينكين مقابل 1.3 مليار جنيه وحقق ربحا خرافيا وصل إلى 563% وغادر القاهرة إلى نيو جيرسى بالغنيمة دون أن يسدد للبنوك ما عليه ومن جديد استرد اسمه اليهودى.

2- المشهد الثانى: فشار وبيبسى وسينما

لم يكن محمد نصير فى الجانب الخاسر دائما.. فى عام 1993 اشترى شركة النصر لتعبئة الزجاجات التى تحتكر الكوكاكولا فى مصر.. سمحت العلاقة بين محمد نصير وعاطف عبيد وزير قطاع الأعمال المسئول عن الخصخصة فى ذلك الوقت بتسهيل شراء ما يريد فى مواجهة القليل من المنافسين.. بعد عامين قام محمد نصير ببيع الشركة بأكثر من ثلاثة أضعاف سعر الشراء.

هناك مثال آخر على التحرك فى أواخر التسعينيات من أجل إشراك القطاع الخاص فى صناعة السينما.. ومرة أخرى أدت العلاقات بين الثروة والسلطة إلى السماح لأسرتين فقط بتقديم العطاءات وتشغيل دور السينما وكانت إحدى هذه العائلات هى عائلة ساويرس.

لكن دور السينما كانت آخر ما حصلت عليه العائلة من شركات عامة جرى خصخصتها.. المشروبات والاتصالات والأسمنت.. مثلا.

فى الوقت نفسه نال أحمد عز نصيبه من الشركات العامة ليصبح أكبر محتكر للحديد والصلب بنسبة لا تقل عن 70 % وشجعه على ذلك أنه كان أمينا للتنظيم فى الحزب الوطنى الحاكم ورئيس لجنة الخطة والموازنة فى مجلس الشعب ومن المقربين جدا من جمال مبارك.

ولم يكتف نظام مبارك بحماية رجال الأعمال المقربين منه والمتحالفين معه وإنما ساعدهم بالعقود الحكومية والقروض المصرفية دون الحاجة إلى ضمانات أحيانا.

وبينما أصبح هؤلاء من أغنى أغنياء العالم عاش 40 % من السكان على أقل من دولارين فى اليوم.

وكان لابد للحيتان من رد الجميل للنظام الذى سمنها.. كان لابد من مساندة التوريث.. ولكن المشروع انهار فى 25 يناير 2011.

3- المشهد الثالث: دموع جيتس على خد سليم

لم تختلف تربية الحيتان فى مصر عن تربيتها فى المكسيك.. كثير من رجال الأعمال فى مصر كونوا ثرواتهم بنفس الطريقة التى كون بها كارلوس سليم ثروته.. لكن.. السؤال الأهم: ما الفرق بين كاروس سليم وبين بيل جيتس؟.

جيتس أغنى شخص فى العالم ومؤسس واحدة من الشركات الأكثر ابتكارا من الناحية التكنولوجية.. لكن ذلك لم يمنع وزارة العدل الأمريكية من اتخاذ إجراءات قانونية ضد شركته: مايكرو سوفت فى 8 مايو 1998 بدعوى أنها أساءت سلطة الاحتكار وفى نوفمبر 2001 قصقصت مايكروسوفت جناحيها ورضخت لسلطة القانون.

أما فى المكسيك فلم يجمع كارلوس سليم ثروته من خلال ابتكار أو اختراع وإنما من خلال اللعب فى البورصة وشراء وتحديث الشركات الخاسرة ونجح فى الاستحواذ على شركة تيليميكس واحتكار شركة الاتصالات المكسيكية التى خصخصها الرئيس كارلوس ساليناس حيث أعلنت الحكومة عن نيتها فى بيع 51 % من الأسهم فى 1989 وبدأت باستقبال العطاءات فى نوفمبر 1990 ورغم أن سليم لم يقدم أعلى عطاء فقد فاز الاتحاد الذى تتزعمه شركته جروبو كارسو بالمزاد وبدلا من أن يسدد سعر الأسهم مباشرة استطاع تأجيل الدفع بل استخدم حصته فى شركة تليميكس نفسها لدفع ما عليه وبذلك ما كان احتكاراً عاماً أصبح احتكاراً من قبل سليم وكان الأمر مربحا بدرجة هائلة.

إن المؤسسات الاقتصادية التى جعلت كارلوس سليم فى الوضع الذى عليه تختلف بدرجة كبيرة عن تلك المؤسسات الموجودة فى الولايات المتحدة.

إذا كنت رجل أعمال مكسيكيًا فإن عوائق الدخول سوف تلعب دورا حاسما فى مرحلة من مهنتك.. تتضمن هذه العوائق تراخيص مكلفة وباهظة يجب أن تحصل عليها والروتين الحكومى الذى يجب أن تجتازه والسياسيين وأصحاب المناصب الذين سيقفون كحجر عثرة فى طريقك وصعوبة الحصول على تمويل من قطاع مالى ما يكون فى الغالب على علاقة وثيقة بأصحاب المناصب الذين تحاول أن تتنافس ضدهم.

إن هذه العوائق إما أن يكون من الصعب تخطيها لتبقى بعيدا عن المجالات المربحة وإما أن تكون بمثابة أعظم صديق لك يقوم بإبعاد منافسيك عن طريقك والفارق بين السيناريوهين يتمثل بالطبع فيمن تعرف وفيمن تستطيع أن تؤثر عليه كذلك بالطبع فيمن يمكنك أن تقدم له رشوة.

لقد كان كارلوس سليم وهو رجل يتمتع بالموهبة والطموح وينتمى إلى خلفية متواضعة بشكل نسبى كواحد من المهاجرين اللبنانيين محترف وبارع فى حصوله على العقود الحصرية واستطاع أن يحتكر سوق الاتصالات المربح فى المكسيك وأن يمتد نفوذه وسيطرته بعد ذلك لبقية أمريكا اللاتينية.

جمع سليم ثروته إلى حد كبير بفضل علاقاته السياسية وعندما غامر بدخوله فى أسواق الولايات المتحدة لم يحقق نجاحا هناك.

فى عام 1999 قامت مجموعة شركاته جروبو كارسو بشراء شركة كومب يو إس إيه المتخصصة فى بيع أجهزة الحاسب الآلى بالتجزئة وما أن اقترب من الاحتكار حتى خسر قضية رفعت ضد شركته واضطر إلى دفع غرامة قدرها 454 مليون دولار.

باختصار عندما خضع سليم لقواعد المؤسسات الموجودة فى الولايات المتحدة لم تفلح تكتيكاته المعتادة فى جمع المال.

إن الحيتان تفضل السباحة فى الليل وتكره ضوء النهار.

ترى من خطر على بالك وأنت تقرأ سيرة سليم؟.

ملحوظة: الكتاب ترجمه إلى العربية بدران حامد ونشرته الدار الدولية للاستثمارات الثقافية فى القاهرة.

ملحوظة أخرى: فى العدد القادم مشاهد أخرى