بليغ حمدى كهرباء فن زمن عبدالناصر

بوابة الفجر
Advertisements
 شهيرة النجار

ما سر إلغاء حفل بليغ بالأوبرا واستبداله بأغانٍ أخرى؟ 

عشاق بليغ طلبوا استرداد التذاكر

الغيرة من بليغ حياً وميتاً 

الاحتفال بمرور 50 عاماً على رحيل عبدالناصر والفن بها 

محمد عبدالوهاب وحروبه الخفية على بليغ

كنت قد نشرت العدد الماضى عدداً خاصاً بمناسبة ذكرى رحيل بليغ حمدى، والحقيقة لم أتوقع كل هذا الاستقبال وهذه الحفاوة من القراء الذين لديهم شغف بحياة هذا العبقرى الذى أيد كثيرون معى أنه بالفعل ملحن الأجيال وموسيقارها الحقيقى قلباً وعقلاً، ولكن كان الإعجاب بلقب اسمه ذاته «البليغ»، وبينما عشاق بليغ حمدى من كل حدب وصوب قد توجهوا لدار الأوبرا المصرية بالقاهرة فى السابع عشر من هذا الشهر بعد أن اشتروا تذاكر حفل إحياء ذكرى بليغ كعادتهم كل عام، وللعلم هذه الحفلة تحديداً دائماً كامل العدد وتنفد تذاكرها فور الإعلان عنها، وإذا بعشاقه يفاجأون بإلغاء الحفل واستبداله بحفل آخر للفرقة القومية للموسيقى العربية به عشر أغانٍ متنوعة لعدد من المطربين، ولا يوجد من العشر أغانٍ لحن واحد لبليغ حمدى، وبدون أى إخطار للسادة الحضور وبدون إبداء أسباب، لذا حدثت حالة من الفوضى والتذمر من الجميع، منهم من رضخ للأمر وحضر الحفل ومنهم من رفض البقاء واسترد قيمة تذكرته، والسؤال الذى أرسله عدد من عشاق بليغ الذين ذهبوا للحفل وقرروا استرداد تذاكرهم، هل يصح من مؤسسة كبيرة مثل دار الأوبرا المصرية أن تفاجئ جمهورها بمثل هذا التصرف؟.. والحقيقة أن الأمر فيه سر لا أفهمه أنا شخصياً، حيث اعتدت حضور حفل دار الأوبرا فى الإسكندرية بذكرى بليغ، ولعلها من المرات، التى بالبلدى، «بنشن» فيها للدخول للاستمتاع بموسيقاه من حناجر الجيل الجديد للأوبرا، لكن هذا العام وجدت أن أوبرا إسكندرية منذ أن قررت الاحتفال به لا تخصص حفلاً له بل واضعين الحفل له مع ذكرى فايزة أحمد والسنباطى، مع أن جمهور بليغ هو الذى يملأ القاعات، ولأول مرة يتم إدخال أغانٍ لملحنين آخرين بدعوى التنوع، طبعاً عشاق بليغ يقولون إن هذه حرب على بليغ حتى وهو ميت، وأنا أرى أن ربما فى الأمور شيئاً خلف الكواليس لا نعلم به شيئاً، يعنى مثلاً فى أوبرا الإسكندرية كان يمكن الاحتفال بذكرى رحيل فايزة وبليغ معاً بأغانى بليغ التى لحنها لفايزة، وما أكثرها، لكن إدخال أسماء ملحنين آخرين فى يوم ذكراه الذى اعتادت الأوبرا إحياءه بالإسكندرية ثم إلغاء حفل بليغ بأوبرا القاهرة واستبداله بأغانٍ أخرى لملحنين آخرين يحتاج لإجابة من الدكتورة جيهان مرسى.

1- الحروب على بليغ

ومع فارق التشبيه، فإن محبى وعشاق بليغ يرون فى حياته الفنية، وليس الحياتية، حروباً وطحناً وتكسير عظام ما جعل الحرب عليه والغيرة تقتل منافسيه من أهل المهنة، ولا شك أن العدد الماضى أوضح الغيرة الشديدة من محمد عبدالوهاب عليه، فبليغ أخرج عبدالوهاب عن توازنه النفسى وجعله من شدة الإبداع فى لحن «فات الميعاد» يقول إنه لم يسمعه أصلاً، ومن فى مصر كلها سواء فنانين وملحنين قبل المواطنين العاديين كانوا لا يجلسون بجوار المذياع أو التليفزيون بعد ظهوره للاستماع لحفل الست أم كلثوم كل شهر، يعنى عبدالوهاب يقلب المحطة على القناة الثانية لمشاهدة حواء الساعة «12» ويترك التقييم على أقل تقدير للحن جديد تغنيه الست الذى هو أيضاً يلحن لها حتى لو على سبيل المعرفة والنغمة الجديدة؟! طبعاً أمر غريب وعجيب وأم كلثوم ذاتها كانت على خلاف شديد مع عبدالوهاب لولا تدخل عبدالناصر الذى كان تدخله محموداً بين السياسة والفن، وأطلقوا على اللقاء لقاء السحاب، ورغم ذلك فإن عبدالوهاب بعد تلك الأغنية لم يكن لديه جديد يقدمه لأم كلثوم بينما سيل الموسيقى والإبداع ينهال من عقل بليغ بدأت بـ«حب إيه 1960» ثم «أنساك 1961» وكان هذا الموعد فى ديسمبر ليجىء ديسمبر 1962 بأغنية «أنا وأنت ظلمنا الحب» وفى ديسمبر 1963 «كل ليلة وكل يوم» وأعتقد أن هذه الأغانى الأربع الأولى على مدار أربع سنوات لأم كلثوم، رغم نجاحها الشديد فإنها كانت من نوعية التميمة التى تغنيها أم كلثوم حتى جاءت الأغنية الخامسة فى ديسمبر أيضا 1964 وهى «سيرة الحب» من كلمات مرسى جميل عزيز، وقد لحنها وهو على فراش المرض لتقلب الموازين الفنية فى التلحين وتضع كل من سيلحن لأم كلثوم فى مأزق؛ لأن اللحن والكلمات كانا شديدي العذوبة والإحساس، ليدخل بليغ فى تحدٍ مع نفسه فيلحن لها فى يوليو 1965 أغنية العشق «بعيد عنك حياتى عذاب» لتصبح الأكثر مبيعاً فى أغنيات وأسطوانات أم كلثوم، وكأنما «سيرة الحب» كانت مقدمة ليدخل بليغ على «فات الميعاد» 1967 والتى أخرجت عبدالوهاب من عرينه ويعلن دون أن يقصد غيرته القاتلة من المبدع بليغ، وتتوقف العلاقة الفنية بين بليغ وأم كلثوم عامين يتخللها أغنية وطنية «إنا فدائيون» حتى يجىء 1969 بأغنية «ألف ليلة وليلة» تلك الأغنية التى ظل بليغ يبحث عن مدخل للمقدمة ثلاثة أسابيع ثم «الحب كله» تلك الأغنية التى غار منها عبدالحليم وغناها فى جلساته، ليكون آخر ما تغنت به الست هو «حكم علينا الهوى» سجلتها ولم تغنها بالمسرح ليكون آخر لحن لها بتوقيع بليغ، وعندما تبحث عن أفضل عشر أغانٍ لأم كلثوم وعشر مقدمات ستجد ست أغنيات منها لبليغ يأتى بعدها و«دارت الأيام وأنت عمرى وغداً ألقاك وفكرونى» لعبدالوهاب.

2- 50 سنة على رحيل عبدالناصر والاحتفال بزمن فنه

بليغ غيّر ثوب وجلد شادية، وقد قال أحد القراء إننى مررت مرور الكرام على مرحلة بليغ وشادية ولكن أقول هنا إن مجموعة أغانيه لها سواء الشعبية أو العاطفية هى الأعلى مبيعاً لها «والنبى وحشتنا» و«أنا عندى مشكلة» والأغنية الأشهر «يا عينى على الوله» من فيلم «شىء من الخوف» وشعبياته معها «خلاص مسافر» و«خدنى معاك» و«عطشان يا صبايا» و«والله يا زمن»، أما مع نجاة فعندك «أنا بستناك» و«كل شىء راح» و«الطير المسافر» و«ليلة من الليالى» و«حلاوة الحب» و«نسى» و«سكة العاشقين»، ومع صباح «يانا يانا» و«جانى وطلب السماح» و«كل حب وإنت طيب» و«شمس الشموس يا صبوحة»، مع محمد رشدى «بياع القناديل» و«ميتا أشوفك» و«عدوية» و«سالمة يا سلامة»، ولو ركزنا فى مراحل نضج ونجاح هؤلاء سنجد أن أغلبها مرحلة الخمسينيات والستينيات، تلك المرحلة التى كان فيها الغناء والفن المصرى فى أوج أوجه فى عهد عبدالناصر، ومن المقدرات أن مكتبة الإسكندرية سوف تحتفل نهاية هذا الشهر بمرور 50 عاماً على رحيل الزعيم جمال عبدالناصر، وسيتم عمل مجموعة كبيرة من الندوات من بينها الفن فى عهد عبدالناصر، منظمو الاحتفالية وقع اختيارهم على الزميل الأستاذ طارق الشناوى الناقد الفنى الكبير وأعتقد أن طارق سيعطى لبليغ حمدى حقه كأحد الأعمدة الأساسية فى منظومة تألق الفن والغناء واستحواذه على قلوب وعقول الشعب والعرب فى عهد ناصر مما استحق عن جدارة لقب «السلاح الناعم»، والذى عرف قدره وقيمته الزعيم الراحل، وإلا ما كان طلبه أن يجتمع عبدالوهاب وأم كلثوم فى أغنية، ولما كان الاحتفال السنوى بثورة يوليو والتى كان على مسرحها تشدو قامات فن مصر وفنانوها.

بليغ حمدى هو كهرباء عصر عبدالناصر التى سرت فى النجف والأباليك واللمبات والأجهزة فأضاءتها، ولولا بليغ ما أكملت أم كلثوم مسيرتها ولما وجد عبدالحليم ضالته ولما كانت الدنيا تشدو «ألف ليلة وليلة وأنت الحب وجانا الهوا واحضنوا الأيام وقولوا لعين الشمس ما تحماشى والحنة يا حنة ووالله يا زمن» حتى النقشبندى «مولاى إنى ببابك قد طرقت يدى» وليجعل من «وردة» وردة بحق فى الفن، ويقدم سميرة سعيد وعلى الحجار وميادة الحناوى وعفاف راضى، وقبل كل هؤلاء بليغ حالة ضى الغناء الفنى، بليغ ينافس أعظم مطربى الدنيا وهو بقبره، بليغ الميت الحى الذى حاربوه حياً من أهل مهنته وحاربوه ميتا بتشويه صورته ليعزف الناس عنه، اعتقاداً أن نشر أنه كان بوهيمى الحياة وادعاء أنه عربيد سيجعل الناس تعزف عن سماع ألحانه، لكن سبحان الله الحروب بالسيّر ليعزف الناس عن الأعمال تنقلب لضدها، فمثلاً محمد عبدالوهاب كان دائم السيطرة مثل عبدالحليم على معظم الصحف والإعلام وقتها وقد سمعت من أحد أساتذتى الكبار ممن عرفوا عبدالوهاب كيف كان يتسلل بأسلوبه الناعم لرؤساء الإذاعة حتى يكون الغلبة لألحانه بأصوات المطربين أو لأغانيه وأخذ أكبر مساحات، وكان عبدالوهاب دائم تصدير الصورة المتزنة الوقورة وتمر السنون والأيام ويرحل بليغ وعبدالوهاب ولم يتبق إلا الأثر، فإذا استطعت أن تسيطر بعض الوقت فلن تستطيع أن تسيطر كل الزمن، الغلبة لله وحده، وسبحان الله أسمع حكايات عن عبدالوهاب وكيف أنه كان وزوجته يمنعان النشر فيها وألحان تتم الاستعانة بها ونغمات تقتبس من ملحنين وحروب على آخرين ليبقى خلود التفانى فى العمل ولتذهب المؤامرات مع أصحابها للقبور، فالهالة التى أحاط عبدالوهاب بها نفسه كمطرب وملحن لم تصمد أمام عبقرية بليغ.