مى سمير
كتب
مى سمير

مى سمير تكتب: لماذا يخشى الغرب «تيك توك» الصينى؟

Advertisements
تساؤلات حول أسباب ذعر الولايات المتحدة وحكومات أوروبا من التطبيق

نظريًا فإن أى شخص يحمل جواز سفر صينيا يمكن أن يكون جاسوسًا

ترامب يعتبر تساهل إدارة أوباما مع بكين وسياسة الصبر خطأ مسافة استراتيجيًا يخصم من القوة الأمريكية

واشنطن تخشى من قدرة التطبيق الصينى على اختراق بيانات مواطنيها وابتزازهم بعد ذلك

فى الولايات المتحدة، تحظى حرية التعبير فى وسائل الإعلام بحماية فائقة، لكن فى الآونة الأخيرة، هدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بإغلاق موقع تويتر بعد أن أضاف الموقع روابط للتحقق من صحة تغريداته، كما تدرس إدارة ترامب حظر تطبيق «تيك توك» ما يعتبره بعض المعلقين نقطة تحول فى المعركة لإبعاد الأخبار المزيفة والحقائق البديلة عن وسائل التواصل الاجتماعى.

فى قلب هذه المعركة يطرح سؤال ملح وهو لماذا تثير «منصة للتعبير الراقص والغنائى» مثل «تيك توك» خوف دولة بحجم الولايات المتحدة، والإجابة البسيطة أن القلق يرجع فى المقام الأول إلى الخوف من سيطرة الصين على البيانات الأمريكية، وليس أشرطة الفيديو الراقصة، ولكن خلف قصة «تيك توك» تفاصيل كثيرة عن سر الخوف الأمريكى من الفيديوهات الراقصة كشف عنها تحقيق لمجلة ذا اتلانتيك.

التطبيق «التافه» يسرب بيانات المواطنين

يجسد تشانج ييمينج، المؤسس والرئيس التنفيذى لشركة بايت دانس التى تمتلك تطبيق تيك توك، ما تريده الولايات المتحدة للصين، إذ إنه رائد أعمال متعدد الأنشطة، أسس العديد من التطبيقات ومحركات البحث، وبالنسبة لمعظم نصف القرن الماضى، كان أحد أهداف السياسة الخارجية الأساسية لواشنطن هو خلق مزيد من تشانج داخل الصين.

واعتقدت الولايات المتحدة أنها يمكن أن تحول الصين الشيوعية إلى مجتمع يشبه إلى حد كبير مجتمعها، ثرى وحر ومبتكر ومنفتح، باختصار مكان يستطيع فيه شخص مثل تشانج، مع القليل من الذكاء وأدوات الرأسمالية، بناء الأعمال التجارية وطرح الأفكار التى من شأنها أن تغير العالم.

وإلى حد ما، يعتبر تشانج دليلاً على نجاح الولايات المتحدة، وقد يكون تيك توك صينيًا، لكن تم تبنيه من قبل الأمريكيين على أنه خاص بهم، وفى حين أن «فيس بوك» مخصص لمشاركة صور وذكريات الطفولة، وتخصص «تويتر» فى الصخب السياسى، وانستجرام لإظهار مدى الشعبية، إلا أن تيك توك يتمتع ببساطة سخيفة - منتدى يمكن للفرد من خلاله الرقص فى غرفة المعيشة الخاصة به، وإجراء محاكاة لفظية للمقاطع الضاحكة، والتقاط صور الحيوانات الغريبة، ومشاركة أجزاء أخرى من الحياة الشخصية.

كانت الولايات المتحدة تفتخر دوما بانفتاحها على أى شخص وأى شيء، من أى مكان، ما يحسن الحياة الأمريكية، وطالما كانت جرأة رواد الأعمال، وعبقريتهم، موضع ترحيب، واعتزاز بغض النظر عن مكان ولادتهم.

قد تعتقد، إذن، أن تشانج سيتم الاحتفاء به من واشنطن إلى وول ستريت باعتباره تجسيدا لأفضل ما فى الصين وأمريكا، وما يمكن لشراكتهما تحقيقه، لكن مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، كان يجب على كل من دونالد ترامب وجو بايدن الاستفادة من تيك توك لجذب الناخبين الشباب، كما يجب أن يتنافس المصرفيون فى نيويورك لإدراج أسهم شركة بايت دانس فى البورصات الأمريكية.

قبل بضع سنوات، كان من الممكن أن يحدث كل ذلك، لكن ليس الآن، إذ لم يعد معظم الأمريكيين، داخل وخارج العاصمة واشنطن، ينظرون إلى الصين كشريك محتمل، ولكن كعدو استراتيجى، وترامب ينتقد بكين على تويتر وفى المؤتمرات الصحفية، وتم الاستهزاء بالسياسة القديمة المتمثلة فى التعامل بصبر مع الصين باعتبارها خيالاً ليبراليًا ساذجًا لم يفعل شيئًا أكثر من تسليم الثروة والسلطة لخصم سلطوي.

وفى إطار هذه الحقائق، لم يعد كل من تشانج وتطبيق تيك توك يمثلون ما يمكن أن يحدث بشكل صحيح مع الصين، ولكن ما حدث بشكل خاطئ.

بالنسبة لإدارة ترامب وكذلك العديد من الحكومات الغربية يعد تيك توك - تطبيقًا مخصصًا إلى حد كبير لجنون الرقص والغناء والتمثيل لدى المراهقين- هو جزء من تهديد الصين: ميزة التكنولوجيا الفائقة الحادة للنظام الصينى، والتغلغل بعمق فى المجتمع الغربى، وسرقة أسراره، ومراقبة مواطنيه، ومساعدة أهداف بكين الشائنة.

وهكذا، وبتشجيع من الإجماع المتزايد ضد بكين فى واشنطن، وكذلك من قبل الصقور فى الحزب الجمهورى، فإن وزارة الخزانة مستعدة للتوصية باتخاذ إجراء ضد التطبيق، حسبما قال وزير الخزانة ستيفن منوشين.

كما أكد السناتور جوش هاولى، الجمهورى من ولاية ميسورى، «أن الأمريكيين على تيك توك بحاجة إلى القلق بشأن ذلك التطبيق، لأنه جهاز مراقبة يعمل لصالح بكين»، إنه «حصان طروادة على هواتف الناس».

هل يشعل «تيك توك» حربا عالمية أم أنه تجسيد لها؟

كيف يمكن أن تشكل مقاطع فيديو الأطفال وهم يرقصون على موسيقى الهيب هوب تهديدًا خطيرًا على أى شىء؟ لكن فى واشنطن، تعتبر مخاطر الأمن القومى المتصورة لـ«تيك توك» حقيقية للغاية، وفى الأسابيع الأخيرة، تشددت المواقف تجاه الشركة، وأصبح تيك توك رمزًا للتحدى الجديد الذى تقدمه الصين الصاعدة القائمة على التكنولوجيا ليس فقط لمجتمع حر، ولكن للهيمنة الأمريكية فى قطاع التكنولوجيا.

ويتم تشغيل الإنترنت اليوم إلى حد كبير - للأفضل أو للأسوأ - من قبل الشركات الأمريكية مثل شركة ألفابت الشركة القابضة لشركة جوجل، وشركة أمازون، وفيسبوك، فى المقابل يعد تيك توك أول شركة صينية تخترق حقا الوعى الأمريكى والعالمى، وهو شيء لم تستطع شركات التكنولوجيا العملاقة الصينية مثل على بابا، بايدو، وتينسنت، أن يفعلوه من قبل.

وتنتشر المخاوف فى الولايات المتحدة والعالم الغربى من أن بكين، بفضل قوتها التكنولوجية المتنامية، قد تكدس مخزونًا هائلاً من المعلومات التى يمكن استخدامها لتحديد هوية المواطنين فى العالم الغربى أو ابتزازهم - أو لأغراض لم نفكر بها بعد.

القلق هو أن تيك توك يمكن أن يكون وسيلة تخزن صورًا وتفاصيل عن الأمريكيين المطمئنين لإشباع شهية بكين الشرهة، أدى جمع الصين على نطاق واسع للبيانات عن شعبها - سواء من خلال حالة المراقبة التى أنشأتها فى شينجيانج، أو نظام الائتمان الاجتماعى الذى يتم تنفيذه، أو تتبعها لتحركات المواطنين فى إطار مكافحة انتشار فيروس كورونا - إلى زيادة المخاوف من استعدادها لجمع مثل هذه المعلومات من الخارج لمصالحها الخاصة. وهكذا وجد تطبيق تيك توك نفسه ليس مجرد رمز لصعود الصين واختراقها لأمريكا، ولكن على الخطوط الأمامية لمعركة جديدة بين الولايات المتحدة والصين.

يصر تشانج على أن شركته بايت دانس لم ترسل على الإطلاق معلومات عن الأمريكيين إلى السلطات الصينية، وأنها لن تفعل ذلك أبدا. قال تشانج لمجلة أتلانتك: «لم تتقدم الحكومة الصينية بمثل هذا الطلب، ولا نعتقد أنه سيكون هناك مثل هذا الطلب.. وحتى لو تلقينا مثل هذا الطلب، فمن المستحيل التجاوب معه».

ربما كان تشانج صادقا تماما، مع غياب الدليل القاطع على أنه يعمل لصالح الحزب الشيوعى، على الأقل لم يتم نشر أى دليل، كما أكد تشانج للمجلة الأمريكية أنه ليس عضوًا فى الحزب الحاكم.

ولكن وسط تصاعد انعدام الثقة فى الصين، فإن وعود تشانج وتعهداته لا تعنى الكثير، لأن النظام الصينى يعزز الانطباع بأن جميع مواطنيه البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة موالون للحزب أو يمكن أن يكونوا مخلصين له.

من الناحية النظرية، هذا يعنى أن أى شخص لديه جواز سفر صينى يمكن أن يكون جاسوسًا، أو يمكن إجباره على أن يكون جاسوسًا. ما الذى سيوقف الحكومة الصينية من الضغط على تشانج للقيام بتنفيذ أوامرها فى المستقبل؟

مستقبل غامض لتطبيق واعد

ما يمكن أن يفعله تشانج أو سيفعله أو قد يفعله فى المستقبل هو فى الحقيقة أقرب لدائرة مفرغة من الأسئلة التى لا تنتهى، لكن قصة تطبيق تيك توك هى مؤشر على مدى سوء الأمور بين الولايات المتحدة والصين.

ومن الغريب أن ما يحدث لهذا التطبيق الذى يمكن وصفه بـ الساذج والذى يستهدف المراهقين هو مؤشر على ما إذا كان البلدان سوف يتجهان إلى طريق التعاون حتى لو لم يكن مستقرًا أو دائمًا، أو إلى مواجهة قوة عظمى مع عواقب وخيمة محتملة على السلام والازدهار العالميين.

يخبرنا مصير تيك توك أيضا ما إذا كان بإمكان الصين مواصلة صعودها التاريخى وتحدى التفوق السياسى والاقتصادى الأمريكي: يعرف القادة الصينيون أنه يجب عليهم تحويل بلادهم إلى قوة تكنولوجية للوصول إلى آفاق جديدة من النجاح الاقتصادى والنفوذ الدبلوماسي. إذا أعاقت الرياح السياسية المعاكسة طموحات تشانج، فإنها يمكن أن تدمر أيضا طموحات الصين.

لكن الأهم من ذلك كله، أن الجدل حول تيك توك يوفر نافذة على المجتمعات الأمريكية والصينية فى هذه اللحظة الحاسمة، وإلى أين قد يتجهون.

ويظهر تطبيق تيك توك أفضل وأسوأ ما فى الصين الحديثة، إمكاناتها غير المحدودة لتوليد الثروة والأفكار التى يمكن أن تفيد الجميع من ناحية والخوف والصراع الناجمين عن سلطتها التوسعية من ناحية أخرى. لم تقم أى شركة صينية أخرى بدمج نفسها بشكل وثيق فى الحياة الأمريكية.

يبقى السؤال هل فتح تيك توك الباب للصعود الصينى من أجل السيطرة على عالم التكنولوجيا والإنترنت؟ هل يتسبب التطبيق الصينى فى دفع الولايات الأمريكية وغيرها من الدول الغربية إلى مراجعة سياستها الانفتاحية التى كانت تميزها فى ظل مخاوفها من الاختراق الصينى ليس فقط لأسواقها ولكن أيضا لأمنها؟ المؤكد أن الانتشار السريع لتيك توك الصينى هو بداية عصر جديد تكتب قواعده فى الوقت الحالى.