عادل حمودة
كتب
عادل حمودة

عادل حمودة يكتب: اتهام الملكة فريدة بالخيانة مع ضابط بريطانى يرسمها والبادئ أظلم

Advertisements

فى ليلة الدخلة ضرب فاروق الملكة عملاً بنصيحة الخدم ليثبت أنه «حمش»

الملكة نازلى تضرب الخدم بالحذاء وتطلب من زوجاتهم مزيدًا من الصفع 

الملك يرفض الاعتراف بأصغر بناته فادية ويحرمها من الميراث 

فاروق يصر فى مذكراته على أن فريدة على علاقة غرامية مع وحيد يسرى حفيد السلطان حسين كامل

رفض علماء الأزهر إصدار فتوى تحرم فريدة من الزواج طالب بها القصر الملكى

هتفت التظاهرات فى الجامعة بعد طلاق فريدة: خرجت من الدعارة إلى الطهارة

الطلاق وقع فى وقت كان الجيش المصرى فيه محاصرًا فى فلسطين

فريدة خرجت من قصر عابدين «يا مولاى كما خلقتنى» بعد أن جردت من مجوهراتها وأرضها والقصر الذى أهداه فاروق إليها لتسكت عن فضائحه

كانت ثلاث ليال أسطورية لم تعشها مصر من قبل.

غطت الأضواء الملونة البلاد.. حولتها إلى كعكة من الكهرباء.. ارتفع الدعاء فى المساجد.. فاضت الترنيمات من الكنائس.. وزعت الجمعيات الخيرية اليهودية الطعام (الكوشير) على الفقراء.. نصبت سرادقات إطعام المساكين.. أعيد العمال المفصلون إلى أشغالهم.. عزفت فرق الموسيقى النحاسية فى الحدائق والميادين.. استعد محمد عبد الوهاب وأم كلثوم للغناء.. تفجرت الصحف بإعلانات التهنئة.. أصدرت المجلات أعدادًا خاصة مصورة.. سجلت البوستة العمومية المناسبة فى طابع بريد.. وصكت الحكومة عملات ذهبية وفضية تذكارية.

كانت المناسبة زواج صاحب السمو الملكى فاروق الأول وصاحبة النبل صافيناز هانم ذو الفقار التى أصبحت بعد عقد القران الملكة فريدة.

فى ذلك الوقت كان فاروق ملكا محبوبا من الشعب.. يأمل المصريون أن يبدأ معهم عهدا مختلفا عن عهد والده فؤاد الأول الذى جمع من الصفات السيئة (السياسية والشخصية) ما يرشحه ليكون الحاكم الأسوأ فى الأسرة العلوية.

ارتدت فريدة فستان زفاف صنعه خصيصا من خيوط الفضة والدانتيلة بيت أزياء روث فى باريس امتد ذيله إلى 15 قدما من التل الخفيف.

وحرصت فريدة على التزين بعقد الماس النادر الذى أهداه إليها فاروق ومنحتها الملكة الأم نازلى تاجا مرصعا فى وسطه زمردة وفى أعلاه ماسة على شكل قلب.

وتبارى الأمراء والنبلاء والسفراء والوزراء فى تقديم الهدايا الثمينة والمميزة.

وضمت قائمة الطعام 18 طبقا انتهت بكعكة طولها خمسة أمتار.

وقبل أن ينصرف المدعوون فى نهاية الليلة الثالثة همس فاروق فى أذن فريدة:

سآخذك وأهرب بك بعيدا عن الحشود والعيون.

سألته فى براءة:

إلى أين؟.

أجاب:

إلى أنشاص حيث كوخ الحب الملكى.

وكوخ الحب الملكى قصر كبير فخم تحيطه الأشجار والزهور والنباتات النادرة ونقش على بوابته الحديدية الحرفان الأولان من اسمى فاروق وفريدة باللغة الإنجليزية (أف أف).

وبالفعل غادرا القاهرة مساء يوم 24 يناير 1938 ليبدأ شهر العسل وحدهما.

لكن ذلك الرقى فى المظاهر الملكية الذى ظل حديث الناس شهورا لم يكن له أثر فى جناح النوم.

ما أن خطت فريدة العتبة حتى فوجئت بفاروق يضربها على وجهها وظهرها ويشدها من شعرها ليوقع بها على الأرض.. وتصورت الملكة الشابة غير المجربة أن ما يحدث نوعا من طقوس الجنس التى خجلت أمها من اطلاعها عليها.. ولكن مع شدة الألم سألته متعجبة عما يفعل ورد الملك:

تقاليد الرجال فى مصر ذبح القطة لزوجاتهم حتى لا يخرجن عن طوعهم.

وأمام حالة الدهشة التى أخرستها لم تجد فريدة ما ترد به سوى البكاء.

وهكذا انهارت أحلامها الرومانسية وخيالاتها الوهمية بـ«علقة ساخنة» فى الدقائق الأولى من الزواج.

كانت فريدة فى السابعة عشرة من عمرها تربت تربية محافظة فرضت عليها الاحتشام والوقار وأبعدتها عن الاختلاط ودفعتها للعزف على البيانو والرسم وبجانب جمالها تمتعت برحابة إنسانية وقدرات عقلية.

فى صباح اليوم التالى اتصلت فريدة بأمها زينب هانم وروت لها ما حدث وهى تبكى مندهشة ومتسائلة:

هل يتصرف الرجال فى مصر مع زوجاتهم بهذه الوحشية؟.

ولم تجب زينب هانم وإنما اتصلت بالملكة نازلى وطلبت مقابلتها والحزن يقطر من صوتها وما أن جلست إليها حتى روت ما حدث من فاروق.

وذهبت نازلى إلى ابنها وسألته عن صحة ما سمعت وكانت إجابته:

ــ نعم ضربتها.

ــ لم؟.

ــ لكى أثبت لها أنى حمش.

وفهمت نازلى سر تصرف ابنها الصادم للجميع.. إن فاروق تربى وسط الخدم.. وتعلم منهم.. هم وحدهم ما كان يتعامل معهم.. لم يكن مسموحا له بالاختلاط بغيرهم خارج القصر مع أقرانه من أبناء الأسرة المالكة كما أن لم يذهب إلى مدرسة حتى يكون صداقات مناسبة وراقية وإنما تلقى تعليمه فى القصر.. وكان تعليما شكليا: بروتوكول المائدة وتناول الشاى والمثلجات.. بروتوكول الاستقبال والوداع والرد على البرقيات.. وأصول ارتداء الملابس حسب المناسبات.. بجانب قليل من العلوم الإنسانية تركزت على تاريخ الأسرة العلوية وتعليم اللغة التركية.

كان فاروق سيئ الحظ فقد توفى والده تاركا له عرش مصر وهو لايزال فى سنوات المراهقة ورغم أنه كان وهو أمير فى بريطانيا ليدرس العلوم العسكرية بجانب العلوم المدنية (التاريخ واللغات والكيمياء والثقافة العامة) إلا أن أكاديمية وولوتش لم تقبله واكتفت بتوفير مجموعة من المعلمين له بصفة خاصة لكنه لم يكن ملتزما بمواعيده معهم ولا بواجباته المكلف بها.

كان رائدا فاروق فى لندن عزيز المصرى بكل ما عرف عنه من صرامة وجدية وأحمد حسنين الذى وجدها فرصة للسيطرة على وريث العرش بإفساده فى سهرات الأماكن الليلة الخاصة ومال فاروق إليه بالقطع وبوفاة والده وعودته إلى مصر ليتولى الملك تبخرت آخر فرص أمام فاروق ليكون متعلما أو مثقفا رغم الذكاء الفطرى الذى وهبه الله له.

ومن الكباريهات التى عوده عليها أحمد حسنين باشا إلى خبرات الخدم فى التعامل مع النساء وجد فاروق نفسه فى مأزق نفسى حرج فى ليلة الدخلة عندما ضرب زوجته.

بفطنتها أدركت الملكة نازلى أن تصرف ابنها المشين تعلمه من الخدم.. حين عرفوا أنه سيتزوج قريبا لقنوه بطريقتهم دروس معاملة الزوجات.. ومنها ضرب الزوجة قبل أن يعاشرها الزوج.. نوعا من الترفيه والترضية.. ويثبت بذك أنه رجل يحكم المرأة ولا تحكمه.

استدعت نازلى ابنها وطلبت إليه الاعتذار إلى فريدة أمام كل من سمع بخبر ضربها.

ولم تكتف بهذا بل عرفت أسماء الخدم الذين علموه هذه الدروس السيئة (وغالبا ما مارسوها مع زوجاتهم) وأحضرتهم أمامها فى وجود فريدة وهم يرتعدون خوفا.

وخلعت نازلى حذاءها وراحت تضرب به الخدم على وجوههم وهو تقول لفاروق:

دول الرجالة؟ أنت فاهم الرجولة غلط.

بل أكثر من ذلك طلبت نازلى من الخدم أن يحضروا زوجاتهم إليها واستجابوا جميعا إلا واحدًا هو محمد عبد الله فهم الغرض من وراء دعوة الملكة الأم وطلق زوجته فى صباح اليوم نفسه حتى يكون لديه حجة يبرر بها عدم حضورها.

وفى الموعد المحدد وقفت الزوجات فى حديقة قصر القبة وبجانبهن أزواجهن ودخلت نازلى وخلفها فاروق وفريدة لتصدر أمرا ملكيا عجيبا: أن تصفع كل زوجة زوجها.

وترددت الزوجات ولكن نازلى أصرت على طلبها وإلا سيفصل الأزواج ولحظتها سارع الأزواج أنفسهم يرجون زوجاتهم بأن يضربوهم خشية انقطاع لقمة العيش.

وبدأت حفلة ضرب وصفع فريدة من نوعها أثارت ضحك وسخرية كل من حضرها.

وما أن انصرف الخدم وزوجاتهم حتى راحت نازلى تكمل الدرس الذى لقنته لابنها نظريا وعمليا:

هؤلاء هم المعلمون الذين تتعلم منهم.

لقد وقع فاروق فى هوى فريدة خلال رحلته الأولى إلى أوروبا بعد توليه العرش وكان فرحا بها حتى أنه بعد انتهاء التوقيع على عقد الزواج (الساعة العاشرة من صباح يوم 20 يناير فى قصر القبة) صحبها فى سيارة مكشوفة جابت شوارع القاهرة ليقدمها إلى الشعب بل أكثر من ذلك أظهر فاروق تفاؤله بمشاركة فريدة له فى تحمل الأعباء حسب ما عبر به للسفير البريطانى.

ولكن كثيرا ما تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن.

لم تجد فريدة فى فاروق الرجل الحمش فى الفراش وبعد أن كانت تتحمله على مضض بدأت تتجنبه ومع إصراره على المعاشرة انهارت نفسيا وعصبيا وتزايدت الضغوط عليها بعد أن أنجبت الأميرة الأولى فريال والأميرة الثانية فوزية والأميرة الثالثة فادية مما فرض نوعا من اليأس فى إنجاب ولى العهد ضاعف من الحرب الباردة بين الزوجين.

إن ولى العهد يريح الملك ويطمئنه على أن من سيواصل الجلوس على العرش ابنا من صلبه.

وكانت مشكلة فاروق أن ولى العهد القائم الأمير محمد على لا يطاق ويخدم الإنجليز بكل حواسه حتى ينصبوه ملكا إذا لم ينجب فاروق ذكرا.

والمؤكد أن فاروق كاد أن يفقد عقله عندما ولدت ابنته الثالثة والأخيرة فادية بل يمكن القول إن بعضا من الجنون قد مسه فعلا وأعلن بصوت مرتفع أن فادية ليست ابنته.

فيما بعد.. فى سنة 1952 وهو فى المنفى (بالتحديد فى جزيرة كابرى) لحق به صحفى إنجليزى يدعى نورمان بريس كان يعرفه من قبل.. أقنعه بأن يملى عليه مذكراته.. وبعد عشرة أيام قضاها فاروق فى الحديث عن سيرته الذاتية استدعى سكرتيره الخاص أيمن فهيم وهو يحمل حزمة من الأوراق وقال له:

ــ هذه مذكراتى التى أمليتها على نورمان بريس.

ــ لكن يا مولاى المذكرات لا تكتب على هذا النحو خصوصا مذكرات الملوك إنها تحتاج إلى وثائق ومراجع ودقة لا تتوافر فى هذا النوع من الكتابات الصحفية المثيرة.

ــ اقرأها قبل أن أعرف رأيك فيها.

وقرأ أمين فهيم الأوراق وكما سمعت منه بالحرف الواحد قال:

وقعت عينى على عبارة تقول بلسان الملك: كنت والحرب العالمية الثانية على أشدها أجمع القادة العسكريين لمتابعة سير المعارك ومجريات القتال بينما زوجتى فريدة تخوننى مع وحيد سرى وكان من ثمرة هذه الخيانة فادية.

واستغفر أمين فهيم الله ثم اتجه إلى فاروق قائلا:

جلالة الملك سأرد على كل كلمة قلتها هنا.. أنت يا مولاى كنت فى عز الحرب تفضل السهر فى الأوبرج والأريزونا والاسكرابية (كباريهات كانت شهيرة فى ذلك الوقت) وعندما خرجت من مصر رفضت فادية أن تبقى مع أمها وتشعلقت برقبتك وأصرت على السفر معك لأنها تحبك حرام عليك ما تقول يا مولاى.

أمين فهيم كان شمشرجيا فى القصر الملكى اختير لمرافقة الملكة ناريمان (الزوجة الثانية لفاروق) إلى إيطاليا لتأهيلها ملكة بتدريبها على أصول البروتوكول والإتيكت ورقصات البلاط فى أوروبا ثم أصبح سكرتيرا لها وعندما غادرت مصر بعد نفى فاروق اصطحبته معها.

وعندما كنت أجهز كتاب الملك أحمد فؤاد الثانى الملك الأخير وعرش مصر فى صيف 1998 سجلت ذكرياته الملكية بالصوت والصورة فى المنتزه بكاميرات وتوجيه مدير التصوير محسن أحمد وحسب العقد الموقع بيننا أصبحت المالك الوحيد لتلك الذكريات ويحتفظ الصديق نصيف قزمان بالشرائط الأصلية التى أصبحت وثيقة تاريخية.)

حسب ما أضاف فإن فاروق استجاب لما سمع منه وشطب الفقرة الشاذة عن فادية فى المذكرات فإنه لم يتراجع عن اتهام فريدة بالخيانة وإنكار أن فادية ابنته التى رفض وضعها فى وصيته قائلا:

ــ إنها لا تستحق مليما من ثروتى أنا واثق أنها ليست ابنتى ولكنها ابنة وحيد سرى.

ــ حرام عليك يا مولانا.

ــ حرام عليك أن تجعلنى أوصى بمالى لإنسان ليس من صلبى.

ــ هذه صدمة للملكة فريدة.

ــ إنها ليست مفاجأة لها.

ومتى عرفت أنها ليست ابنتك؟.

ــ يوم ولادتها.

ــ لا أحد سيصدق ذلك.. فادية ولدت فى سنة 1943 وأنت طلقت فريدة سنة 1948 أى بعد خمس سنوات.. لو كنت طلقتها بعد مولد فادية لصدق الناس هذه الحكاية.

ــ ظروفى منعتنى يومها من الطلاق.

ــ إذا لم تكن فادية ابنتك فلم أخذتها معك فى المنفى؟.

ــ أخذتها لتسلى فريال وفوزية.

ــ ولم انتزعتها من حضانة أمها عندما بلغت سن السابعة؟.

ــ فعلت ذلك لأغيظ فريدة عرفت أنها تعبد فادية فقررت أن انتقم منها بأخذها منها.

واستطرد أمين فهيم:

ذات يوم عثرت الأميرة فريال فى مكتب والدها على ظرف مكتوب عليه سرى جدا وما أن فتحت وقرأت الأوراق التى كانت بداخله حتى انهارت وبكت وهى تردد: مستحيل مستحيل أن يكتب أبى هذا عن أمى.

كان نص ما كتب فاروق: إن فريدة انتهزت فرصة انشغالى بمسائل الدولة ووقعت فى هوا وحيد سرى.. كان كبيرًا فى السن بحيث تعتبره أبا لها ولكن كثيرا ما تكون السن الكبيرة مغرية لفتاة صغيرة.. ولم يكن لدى وقت لاستعادة فريدة.. خاصة أنها تحولت عنى.. وفقدت تعلقها بى.. وأصبحنا فى مشاجرات دائمة وعنيفة جعلتنى أفر من القصر بحثا عن تسلية أخرى توجع فريدة وتؤلمها.

وكان فى وسعى أن أطلقها بسبب خيانتها كما طلق والدى زوجته الأولى الأميرة شويكار ولكنى لم أفعل.. كانت هناك نساء جميلات يتهافتن على الزواج منى.

وقد خاصمتنى فريدة قبل أن تولد فادية وقالت: إننى لو عدت إليها مرة أخرى فإنها سوف تستقبلنى كما لو كنت غريبا عنها.

إننى طلقت فريدة بعد ذلك لأنى أمهلتها خمس سنوات ولكنها رفضت أن تغير تفكيرها.

وهكذا أصبحت فريدة حرة فى وسعها أن تذهب إلى عشيقها لتطلب منه الزواج بعد أن يطلق زوجته الأميرة سميحة ولكنه لم يفعل والسبب أنه ورث ثروة طائلة بعد وفاة أمه الأميرة شويكار فلم يعد فى حاجة إلى الزواج من فريدة والسبب الثانى أنه من أولئك الذين يزهدون فى المرأة بمجرد أن تتجاوز العشرين ولذلك تعيش فريدة اليوم وحيدة وحزينة بعد أن تخلى عنها زوجها وتخلى عنها عشيقها.

وما إن انتهت فريال مما قرأت حتى صرخت:

بابا كداب ماما ست شريفة.

بلا توقف استمر فاروق فى تشويه سمعة فريدة.. سارع باتهامها بالبرود قبل أن تتحدث عن عجزه.. شكك فى نسب صغرى بناته بعد أن صدته.. وعندما عايرها بأنها لم تنجب له ولى العهد قالت له: اذهب وتزوج.

وحسب الوثائق البريطانية التى تقاسم محمد حسنين هيكل ولطيفة سالم نشرها عند إباحتها فإن التوتر بين فريدة وفاروق بدأ بعد مولد فريال وراح يتزايد يوما بعد يوم.

واشتكت فريدة من وجود فتاة إيطالية عمرها 23 سنة أحضرها فيروتشى (المهندس الإيطالى) إلى القصر ورطت فاروق فى سهرات ماجنة صاخبة ضاعفت من شعور فريدة بالشقاء بل أكثر من ذلك وبينما فاروق يقضى كثيرا من أوقاته فى الخارج فإنه لم يسمح لفريدة بأن ترى أصحابها وبقيت حبيسة القصر.

وعندما تسللت الفضائح الملكية إلى الشارع وأصبحت نميمة شائعة ترصدها تقارير البوليس السياسى بدا واضحا أن لا مفر من الطلاق.

فى يوم 10 نوفمبر 1948 سلم نجيب سالم مدير الخاصة الملكية ورقة الطلاق إلى الملكة فريدة.. فى ذلك اليوم كان الجيش المصرى يعانى من متاعب عسكرية صعبة التجاوز فى فلسطين وصلت إلى حد عزل فرقة عن بعضها البعض.. لكن.. الملك لم يكن يشغله إلا التخلص من زوجة تضعه فى حرج يعجز عن الخروج منه.

أمهلها فاروق شهرا لتجد لنفسها مكانا تقيم فيه خارج القصر الملكى واحتفظ بحضانة فريال وفوزية وترك فادية فى حضانتها حتى تبلغ سن التاسعة وسوف يتكفل بكل نفقات الأميرة الصغيرة بعيدا عن التسوية المالية بينه وبين الملكة.

وحسب هيكل فإن فريدة شكرت نجيب سالم على إبلاغه بهذه الأخبار ورجته بإبلاغ الملك بأن يهتم برعاية البنات حتى لا يتحولن إلى بغايا مثل عمتهن.

وجاء أنطوان بوللى يحمل رسالة سرية من الملك:

مولانا يريد تسليم التاج الذى فى عهدتها وتسليم كافة المجوهرات التى تلقتها منه والهدايا التى تلقتها بمناسبة الزواج.

وكان فاروق قد منح فريدة ملكية زراعية (1700 فدان) أطلق عليها الفريدية كما أنه وهب قصر الطاهرة إليها ولكنه نجح فى استردادهما.

خرجت فريدة من القصر يا مولاى كما خلقتنى بل إن فاروق حاول إصدار فتوى شرعية تمنع فريدة من الزواج مرة أخرى وإلا كان زواجها باطلا.

واستغلت المعارضة السياسية والحزبية فى الجامعة الطلاق وخرجت تظاهرات تقول إن فريدة خرجت من الدعارة إلى الطهارة.

وزاد التطاول على الملك ووجد من يطالبه بالرحيل قائلا: إلى أنقرة يا بن المرة.

وحسب هيكل فإنه عندما التقى فريدة (فيما بعد) كانت مصممة على ألا تتكلم عن فاروق بأكثر مما هو عام ثم زادت بنبرة مبهمة أنه فى كل ما يقال فقد كان لسوء الحظ البلدى وسكتت ثم أضافت على استحياء والبادئ أظلم وابتسمت برقة ثم غيرت مجرى الحديث مشيرة إلى مجموعة نخيل فى نهاية البيت الريفى الذى التقيا فيه.

حملت عبارة البادئ أظلم فى باطنها ما فجر مفاجأة غيرت نظرة كثير من الناس إلى فريدة.

كنت فى كتابى عن الملك أحمد فؤاد الثانى قد أنصفت فريدة وبعد أن قرأ هيكل النسخة التى أهديتها إليه ابتسم فى سخرية قائلا:

ملاكك الحارس ليس بالبراءة التى صورته عليها.

وقدم لى صفحات من مسودة كتابه: المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل وفيها وثائق تثبت خيانة فريدة.

ونشر هيكل مزيدًا من التفاصيل والوثائق فى كتابه سقوط نظام كما أن لطيفة سالم لم تهمل القصة نفسها ولكن كانت صياغة هيكل أفضل وأدق وأكثر ومتعددة المصادر (كتاب أرتيمس كوبر عن القاهرة فى سنوات الحرب والوثائق البريطانية وتقاير المخابرات العسكرية البريطانية وتقارير توماس راسل حكمدار العاصمة).

فى بداية شهر مارس 1943 أبدى فاروق شكوكه من تكرار زيارة زوجته فريدة لرسام بريطانى جاء إلى مصر ضمن القوات البريطانية فى ظروف الحرب اسمه الكابتن سيمون إلويس.

كان الضابط فى الأربعينات المبكرة من عمره وقد وصل إلى مصر فى نوفمبر 1941 مع الكتيبة العاشرة للهوسار وألحق بقسم العلاقات العامة بقيادة القوات البريطانية وبعد وصوله بفترة قليلة ظهر إليوس فى مجتمعات القاهرة برسم لوحات زيتية لعدد من الشخصيات ضمنها السفير البريطانى السير مايلز لامبسون والسيدة كونسويلو رولو الزوجة الجميلة للمليونير اليهودى الأشهر فى مجتمع الإسكندرية وغيره من نجوم المجتمع المصرى البريطانى المختلط فى تلك الفترة الغريبة.

وكان إليوس يعتبر نفسه دونجوان وقد قال لأحد أصدقائه إنه يستمتع عندما يرسم لوحة لامرأة جميلة لكن الإلهام لا يكتمل عنده إلا إذا عرف صاحبة اللوحة بطريقة حميمة.

ولطموحه الواضح طلب أن يرسم صورة لملك مصر فاروق ولملكتها فريدة ولم يكن لدى فاروق فيما يبدو وقت أما فريدة فإنها بدأت جلسات طويلة أمام الرسام الإنجليزى بعد أن التقى بها أول مرة فى بيت خالتها (ناهد سرى زوجة حسين سرى باشا) وبعد أن وافق القصر على منحه ألف جنيه إسترلينى عن اللوحة وحصل على نصف المبلغ مقدما.

وقبل الرسم أيضا تلقى إليوس تحذيرا من أحد مستشارى السفارة بأن يكون حريصا فى تصرفاته مع الملكة لأنه يتعامل مع مجتمع شرقى له حساسياته وتقاليده ولذلك يجب أن يكون شديد التحفظ فى مسلكه خصوصا فى حضرة الملكة.

كانت الجلسة الأولى فى قصر عابدين وتكررت الجلسات ثم أبدى إليوس للملكة شكواه من حركة الوصيفات من حولها ومقاطعتهن لها تفسد عليه تركيزه وكرر أن من الصعب مواصلة العمل فى هذا الجو وسأل الملكة إذا كان فى وسعها أن تذهب إليه فى مرسم يعمل فيه لأن ذلك سوف يكون أدعى إلى كمال الصورة.

كان اقتراح إليوس حتى وإن كان مألوفا فى مجتمعات غربية صدمة لوصيفات الملكة فى البلاط المصرى ولكن إليوس أصر على أن مواصلة العمل فى قصر عابدين صعب عليه وتمكن من إقناع الملكة فريدة من أن تذهب إليه حيث يسكن مع عدد من زملائه الضباط وحيث يعمل أيضا.

كان إليوس يعيش فى شقة مع اثنين من ضباط سلاح الطيران هما سونى ويتنى وويتنى ستريب والأخير من أسرة بريطانية أمريكية وقد قتل فيما بعد فى فرنسا وكان شريكا إليوس فى شقته يعرفان بزيارة الملكة السرية إلى مسكنهم ويحرصان على التسلل خارجين عندما تجىء ومن سوء حظهم أن الملك فاروق جاء مرة إلى الشقة بنفسه وهو داخلها ومن سوء الحظ أيضا أنهم وجدوا أنفسهم مضطرين فى نفس اللحظة إلى مساعدة إليوس على تهريب الملكة فريدة ووصيفتها من الباب الخلفى للشقة حتى لا يراهما الملك.

وسرت حكايات كثيرة فى مجتمعات القاهرة عن علاقة إليوس مع الملكة فريدة وطلب الملك عن طريق أحمد حسنين وكان رئيسا للديوان إبلاغ السفير البريطانى فى القاهرة برغبته فى نقل إليوس إلى خارج مصر (ووجه الملك طلبا آخر إلى الجنرال باجيت القائد العام).

ويوم 16 يناير صدر أمر بسفر سيمون إليوس إلى جنوب إفريقيا وكتب اللورد كيلرن فى هذا التاريخ فى يومياته ما نصه: كان لابد من الخلاص من إليوس وإلا قام الملك فاروق بتطليق زوجته.

وثار إليوس عندما عرف أن ذهابه إلى جنوب إفريقيا لم يكن مؤقتا كما قيل له وأرسل مع أحد الجنرالات خطابا إلى الملكة وفتحت الرقابة البريطانية الخطاب وعرفت منه أن إليوس يشهر بالمارشال ويفل الذى نقله من مصر ويطلب من الملكة السعى لدى الملك ليعود ويكمل الصورة.

وحسب اتفاق جرى بين المسئولين البريطانيين فى مصر أعيد الخطاب إلى صاحبه واتفق على أن يصدر أمر عسكرى بألا يتراسل إليوس مع الأسرة المالكة أو الحاشية.

لكن هل تكفى تلك الوثائق والوقائع لإدانة الملكة فريدة بالزنى؟.

هل تكفى لتفسير جملة والبادئ أظلم التى سمعها منها هيكل بأنها تعنى انتقاما من الملك فاروق بخيانته؟.

إن من الصعب القبول بخيانة فريدة مهما كانت الضغوط النفسية عليها ومن المستحيل إثباتها كما أن فاروق لم يشر إلى علاقتها بإليوس من قريب أو بعيد ولم يكن هناك ما يمنعه من التشهير بها بعد أن أفرط فى اتهامها بالخيانة مع وحيد يسرى: الابن الأكبر لسيف الله يسرى (زوج الأميرة سميحة ابنة السلطان حسين كامل) وكان فى بداية الأربعينات من عمره ووجيها ومجربا.