منال لاشين
كتب
منال لاشين

منال لاشين تكتب: المواجهة الثالثة بين مصر وتركيا

Advertisements
سرت المدخل للهلال البترولى وإفريقيا والأمن القومى 

أردوغان حاول حصار مصر فى مثلث موطن القدم وكاد ينجح فى السودان 

نظرا لقوة الجيش المصرى وصداقته لأرض المعركة لم تدخل تركيا فى الغالب مواجهة نظامية بين الجيشين

فى ميدان الاوبرا، درة القاهرة الخديوية، يقف تمثاله شامخا، وإن كان المصريون اطلقوا عليه لقبا لا يليق بعظمته وتاريخه البطولى، «أبو أصبع» هو لقب المصريين لتمثال إبراهيم باشا، هذا البطل الشامخ على حصانه ابن محمد على وأول قائد للجيش المصرى فى التاريخ الحديث، وإذا كان محمد على هو أول حاكم مصرى صاحب مشروع نهضوى لبناء مصر الحديثة، فإن إبراهيم باشا كان الذراع العسكرية لهذا المشروع العظيم، وصل إبراهيم باشا بفتوحاته إلى باب أسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية. اهتزت دولة الخلافة عام 1839 وكادت تسقط، لولا تدخل أوروبا، القوة العالمية العظمى فى ذلك الوقت، فقد فضلت أوروبا الاحتفاظ بالخلافة العثمانية الضعيفة أو الرجل المريض كما كان يطلق عليها، وذلك بديلا عن السماح كقوة مصر الصاعدة على الانطلاق. وإبراهيم باشا يمثل كابوساً فى تاريخ تركيا، بما فى ذلك تمثاله، وقد حدثت أزمة دبلوماسية بين مصر وتركيا حينما تم وضع التمثال، والسبب أن المثّال الفرنسى وضع لوحتى تمثال معارك انتصر فيها إبراهيم باشا بجيشه المصرى على تركيا.المثير أن اللوحتين اختفتا تماما بعد ذلك، مما يشير إلى أيدى تركية فى إخفائهما أو بالأحرى إخفاء عار الهزيمة، وهكذا استمرت العلاقة بين البلدين. فعلى مدار السنوات والأنظمة ستتكرر القصة أو بالأحرى المواجهة، كلما جاء حاكم مصرى له مشروع ورؤية لإعادة مصر إلى مكانتها ستكون تركيا رافضة ومتحرشة ومتربصة، فبعد أن تغيرت الأنظمة فى كل من مصر وتركيا ظلت هذه المعادلة تحكم العلاقة بينهما، جاء جمال عبد الناصر بمشروعه وسقطت الخلافة الإسلامية، وتوترت العلاقة بين مشروع عبد الناصر وتركيا، ووصل الأمر إلى طرد السفير التركى فؤاد طغاى فى ذلك الوقت، ثم انضمت تركيا لحلف بغداد فيما رفضت مصر سياسة الأحلاف، وكان مقر الحلف فى عاصمة تركيا «أنقرة» وهدفه خدمة الاستعمار، ولذلك كان من البديهى أن تتكرر المواجهة للمرة الثالثة بينهما، فما أن أزاحت ثورة 30 يونيو الإخوان وبدأ السيسى مشروعه الوطنى حتى أصيب أردوغان بالجنون والتحرش بمصر..توالت الأحداث حتى وصلنا الآن إلى مواجهة بين مصر والوطن العربى من ناحية وتركيا وقزمة العرب قطر من ناحية أخرى، بالطبع هناك خريطة دولية ومناخ مختلف وأسباب إضافية لدى تركيا، ولكن فى التحليل الأوسع والأعمق هذه ليست المواجهة الأولى ولا الأخيرة بين قلب العروبة مصر وبين حاكم تركى مهووس ومفتون بالسيطرة على الدول العربية بارتداء دين لا ينطق بلسانه، وأحلام عودة الخلافة التى سرقت ثروات الدول العربية مستغلة المشاعر الإسلامية لدى العرب.

1الخليفة فى الجامعة

تزامنت طموحات أردوغان فى التحول لخليفة المسلمين مع ثورات الربيع العربى ووصول الإخوان إلى حكم مصر، فتحت القاهرة ذراعيها إلى الخليفة العثمانى أردوغان، فدخلها دون حرب ووقف فى جامعة القاهرة يلقى خطابه باللغة التركية (فيما بعد سيفرض أردوغان اللغة التركية على المناطق التى يحتلها)، ودانت له جماعة الإخوان التى خطفت حكم مصر فلم تر عاراً فى أن تصبح القاهرة مجرد عاصمة فى الخلافة الإسلامية التركية.. خدر أردوغان الكثيرين بأوهام مشروعات اقتصادية بالمليارات، كاد أردوغان أن يلمس حلمه فى سيطرة تركيا على قلب الوطن العربى، وكان قد وضع قدميه فى كل من العراق ثم سوريا، وأصبح فى غياب مصر القائدة لاعبا رئيسا فى سوريا، وبدأ يلاعب الخليج العربى من خلال قزمة العرب قطر (فيما بعد ستعترف قطر بتمويله بـ15 مليار دولار) وكل ذلك برعاية أو على الأقل رضا أمريكى، ولعبت تركيا بورقة الإخوان فى فلسطين من خلال حركة حماس، فدست أنفها فى القضية الفلسطينية باليد اليمنى، واستمرت فى علاقتها بإسرائيل باليد اليسرى، وبينما كان أردوغان يستعد للقب خليفة المسلمين والحصول على لقب القوة الإقليمية الأولى فى المنطقة، بينما كان أردوغان جاهزاً لتصوير وتخليد لقطة اعتلائه عرش الخلافة فوجئ بسقوط الإخوان فى مصر.

2مثلث الحصار

حاول أردوغان محاصرة مصر، من سوريا إلى حماس إلى إثيوبيا، حيث عقد معاهدة للدفاع والتعاون المشترك وبذلك وضع قدما له فى بلد استراتيجى لمصر فى إطار أزمة سد النهضة، وكاد ينجح فى إقامة قاعدة تركية فى السودان ليهدد مصر جنوبا لولا سقوط نظام البشير، ثم اتجه غربا بنقل مرتزقته فى سوريا إلى ليبيا أرض المواجهة الجديدة، ولأنه لا يملك حدودا مشتركة مع ليبيا فقد لجأ لعقد اتفاقية بحرية مع حكومة السراج الإخوانية، والمواجهة فى ليبيا ليست على كعكة البترول فقط، ولكنه مدخل مهم لإفريقيا طالما استخدمه نظام الرئيس السابق القذاقى، لدرجة أن بعض الخبراء يعتقدون أن قوة القذافى فى إفريقيا هى السبب الرئيسى فى التخلص من نظامه، والوجود التركى الإخوانى أيضا تهديد مباشر لمصر على الحدود الغربية لا يمكن قبوله.

3خريطة المعركة

كان الرئيس السيسى واضحا وحاسما حينما حدد أن الاقتراب من «سرت» خط أحمر للأمن القومى لمصر وليبيا، فمن يسيطر على سرت سيضمن منطقة الهلال البترولى وباب العاصمة وطريقا سريعا وواضحا لتهديد أمن مصر، وإذا سيطرت تركيا أو بالأحرى الإخوان على ليبيا أصبح الطريق مفتوحاً للمرتزقة والإخوان للوصول سريعا إلى إفريقيا، وعلى الأرض لا تملك حكومة الوفاق التى يمثلها السراج شرعية أو شعبية ليبية، لأنها حكومة غير منتخبة، ولكنها تحظى بالاعتراف الدولى. أما البرلمان الليبى فهو برلمان منتخب يمثل الليبيين، ولذلك كان موقف مصر واضحا فدخول ليبيا أو بالأحرى الدفاع عنها يتطلب طلبا من البرلمان وإجماعا من القبائل الليبية، وهو ما حدث بالفعل، فالسراج ومرتزقة تركيا محصورون فى شريط ضيق مقارنة بجغرافيا ليبيا، أما الخريطة السياسة فبها خطوط واضحة وأخرى مبهمة، مع الجيش الليبى والبرلمان والقبائل تقف مصر والإمارات والسعودية وفرنسا، ومع مرتزقة الجماعات الإرهابية والسراج تركيا وإيطاليا وقطر، وهكذا انقسم الموقف الأوروبى، ففرنسا تريد تعويض خسائرها أمام المتشددين فى مالى، وتدرك أن نجاح الإرهابيين فى الوصول لحكم ليبيا يقوى شوكة متشددى مالى، ويضعف مصالحها فى دول إفريقية أخرى، ولذلك يصعب تصور موقف موحد للاتحاد الأوروبى المتصدع والمترنح من وباء كورونا، روسيا لا تزال مؤيدة للجيش الليبى وتساند حفتر، ولكن بعض الخبراء يدعون أنها أحجمت عن تقديم دعم أكبر لحفتر كان يمكنه من دخول العاصمة طرابلس، أمريكا تميل إلى الموقف التركى ولكنها لم تصل إلى اعتبار ليبيا ملفا ذا أولوية خاصة، ألمانيا لا تبدى لا مساندة أو رفضاً للموقف التركى، هذه هى الخريطة السياسية، أما عن المواجهة على الأرض بين تركيا ومصر فى ليبيا، فالسؤال عن طبيعة المواجهة هو سؤال الساعة.

4جيوش أم مرتزقة؟

مواجهة بين الجيوش أم حرب مرتزقة وإرهابيين؟ سؤال يطرح نفسه على الحرب فى ليبيا، لو كانت الحرب بين جيوش نظامية فهناك أفضليات مهمة للجيش المصرى، فبالإضافة إلى قوة الجيش المصرى وبسالته، فإن المسافة بين القاهرة وسرت تمثل أقل من ثلث المسافة بين أنقرة وسرت، فالإعدادات والإمدادات ستكون صعبة على تركيا، كما أن الجيش المصرى يعرف طبيعة المنطقة التى سيحارب فيها، أفضلية أخرى مهمة أن القبائل الليبية مع الجيش المصرى، ولذلك ربما لا تلجأ تركيا لمواجهة عسكرية مباشرة، ويرى بعض الخبراء أنها ستكتفى بالحرب بالوكالة من خلال المرتزقة الذين نقلتهم من سوريا، وفى هذه الحالة من الصعب توقع نهاية سريعة لمعركة ليبيا. وبالطبع طول مدة الحرب يمثل عامل قلق للمصريين خاصة أن نسبة كبيرة منهم لا تزال تعانى من عقدة اليمن.

5- ليبيا ليست اليمن

لاشك أن هزيمة الجيش المصرى فى اليمن خلال حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تمثل جرحاً لا يمكن نسيانه، ولسنا الآن بصدد تقييم حرب اليمن، ولكن المهم أن ننظر للمستقبل دون كواليس الماضى، فهناك اختلافات كبرى وحاسمة بين الوضعين، عسكريا فإن الجيش المصرى أقوى ألف مرة الآن من مرحلة اليمن، كما أن المقاتل المصرى يعرف الأرض التى سيحارب عليها، فالأرض ستكون صديقة لنا خلافا لما حدث فى اليمن، كما أن القبائل اليمنية كانت ضد التدخل المصرى ولعبت دوراً كبيراً فى عرقلة الجيش المصرى، فى ليبيا القبائل اللبيبة كلها تقف مع الجيش المصرى، وبعيدا عن الاختلافات العسكرية، فإن الوضع السياسى مختلف تماما فى الحالتين، فإذا سقطت ليبيا فى أيدى الأتراك وأعوانهم من الإرهابيين فإن مصر ستكون شبه محاصرة فى مربع نفوذ تركى، وهو ما لا يمكن مقارنته بالمصالح المصرية فى حرب اليمن، ولذلك اتخذ الرئيس السيسى قرارا صائبا بالذهاب إلى ليبيا، فأحيانا يكون الطريق الوحيد لحماية وتأمين حدودك هو الخروج عن هذه الحدود، هذا درس تاريخى يحاول أعداؤنا أن نلغيه من فكرنا الاستراتيجى، وأسهل وسيلة لديهم هى حرب اليمن، ولذلك إذا قال لك أحدهم مصر تتورط فى ليبيا مثلما تورطت فى اليمن فرد بقلب جامد.. ليبيا ليست اليمن.