منال لاشين
كتب
منال لاشين

منال لاشين تكتب: مصطفى السعيد ثعلب الاقتصاد والسياسة

رئيسا وزارة تآمرا عليه للإطاحة من الحكومة

رفض إحالة نواب المعارضة للتحقيق بعد تعديهم بالضرب على محافظ البنك المركزى فى مجلس الشعب 

قال لـ«مرسى والكتاتنى»: «أنتم فصيل غير وطنى»

وقف ضد بيع البنوك العامة وقال لرئيس الحكومة: هو انتوا بتبيعوا لمجرد البيع

وحمى المشروعات الاستراتيجية من سيف الخصخصة

فى هدوء رحل الدكتور مصطفى السعيد ولم تمكن كورونا أسرته وتلاميذه وأصدقاءه أن يجتعموا الاجتماع اللائق بهذا الرجل القامة للقاء أخير، رحل فى هدوء وهو الاقتصادى والسياسى الذى خاض معارك مدوية، وترك آثارا وبصمات فى كل من تلاميذه وأبناء دائرته لا يمكن أن تمر بهدوء، مصطفى الوزير هو أبرز وزراء الاقتصاد فى مصر الذين وقفوا بقوة ضد تجار العملة، ومصطفى البرلمانى هو أهم رئيس للجنة الاقتصادية بمجلس الشعب، وأحد أهم وأنشط الوجوه الفاعلة فى منتديات اقتصادية وسياسية على رأسها بالطبع جمعية الاقتصاد والتشريع، ومن أوفى وانفع الأستاذة لتلاميذه على مر السنوات الطوال. كان لديه ميل أو موهبة فطرية فى مساعدة ودعم الشباب، وقد ساعدته شخصيته المتواضعة اللطيفة الاجتماعية الجذابة جدا فى كل مراحل أو بالأحرى معارك حياته.

1- الثعلب

تابعت الدكتور مصطفى السعيد رئيسا للجنة الاقتصادية بمجلس الشعب اكثر من مرة وخلال حقبتى التسعينيات ثم العقد الأول من الألفية، وبعد سنوات من التعلم والمراقبة قلت له اننى عثرت أخيرا على لقب خاص به، فسألنى ما هو، فرددت بسرعة ثعلب الاقتصاد، وسألنى مندهشا لماذا؟، فقلت له انت تبدى فى اجتماعات اللجنة الاقتصادية أو جلسات المجلس عدم الاهتمام، وعدم التركيز، وتبدو وكأن حضرتك سرحان. ثم تفاجئ خصمك أو الجميع بمواقف وردود ذكية جدا ومنظمة جدا، فضحك وقال: بس أنا فعلا مش قاصد، وقد كان الدكتور مصطفى يسمع بنفس الطريقة غير المبالية للوزراء فى اجتماعات اللجنة، وكانوا معظمهم من تلاميذه، وعندما يطمئنون إلى أن الأستاذ غير مهتم يقولون ما يريدون دون خوف من عقاب الأستاذ، وفجأة تلمع عينى الدكتور مصطفى، ويبدأ فى هدوء إعطاء الوزراء والأعضاء دروسا فى الاقتصاد، وكان الدكتور يوسف بطرس غالى أشهر تلاميذه الذين وقفوا هذا الموقف، ففى خلال تولى الدكتور السعيد رئاسة اللجنة الاقتصادية كان الدكتور يوسف وزيرا للاقتصاد، ومازلت أذكر أن الدكتور يوسف كان يأتى للجنة بكامل انتباه، ومعه فريق عمل كامل من أفضل الكفاءات. مستشار الوزارة الدكتور محمود محيى الدين والمستشار القانونى الدكتور محمد الدكرورى ومستشار التشريعات الاقتصادية الدكتور زياد بهاء الدين، وكأن بطرس قادم إلى امتحان، وليس إلى لجنة برلمانية ومازلت أتذكر كم كانت المناقشات أو بالأحرى المناظرات البرلمانية فى اللجنة مفيدة وممتعة لدرجة أننى كنت أضبط نفسى منهمكة فى المتابعة، وقد نسيت دورى وعملى الصحفى، كما استمتعت جدا بمناظراته مع وزير الاستثمار فى ذلك الوقت محمود محيى الدين وهو من تلاميذه المقربين جدا، ولا أذكر أننى رأيت الدكتور مصطفى إلا وسط مجموعة متباينة من البشر ما بين سائل علم أو طالب خدمة، وأوراق يتابعها والتليفون المحمول على أذنه، ثم يفاجئ الجميع بتعليق ذكى جدا على جملة قيلت أو رأى اقتصادى، فكنت اسأله بانبهار: حضرتك ازاى مركز فى كل ده، فقد كان بالغ الذكاء، لكن الأهم أنه استخدم هذا الذكاء لصالح مصر واقتصاد يخدم الناس الغلابة ولا يمتص دمهم، ولهذا دخل الدكتور مصطفى السعيد رحمه الله معارك اقتصادية وسياسية عديدة.

2- معركة الدولار

أشهر وكبرى معارك الدكتور مصطفى هى معركته ضد تجار العملة، وذلك حينما كان وزيرا للاقتصاد فى أوائل عصر مبارك. كانت خطة الدكتور مصطفى السعيد هى تجفيف منابع تجارة العملة أو السوق السوداء نهائيا، وكانت الخطة إلزام البنوك بتوفير الدولار لكل مستورد وإلغاء نظام الاستيراد من خلال توفير العملة من السوق السوداء، وكانت هذه الخطة ستجعل حاجة المستورد للدولار غير موجودة من الأساس، وبنظريات علم الاقتصاد كان الدكتور مصطفى السعيد يضرب الطلب على الدولار، ولك أن تتخيل حجم الهجمة والتشويه والتشكيك الذى تعرض له الوزير الشاب فى ذلك الوقت، فقد تحالف ضده رئيس حكومته الدكتور الراحل كمال حسن على ورئيس الوزراء السابق الدكتور مصطفى خليل الذى رفض القرار، وكان خليل مقربًا جدا من الرئيس السابق مبارك ويعد مستشاره الخاص، وكان رئيس الحكومة يطلب من كبار الكتاب أمثال أنيس منصور وموسى صبرى كتابة مقالات ضد الوزير، ولكن وقف معه فى ذلك الوقت الكاتب الكبير الراحل أحمد بهاء الدين وكتاب اليسار، وعمل تجار العملة على تعطيش السوق لإحداث أزمات مفتعلة، ولم يصمد مبارك ضد كل ذلك، فتخلى عن وزيره وطلب منه تقديم استقالته لتهدئة الأمور، ولاشك أن الخريطة الاقتصادية فى مصر كانت ستتغير إلى الأفضل لو نجحت خطة الدكتور مصطفى السعيد فى ضرب السوق السوداء، وخلافا لوزراء كثر يفقدون لمعانهم بمجرد فقد الكرسى الوزارى، واصل الدكتور مصطفى السعيد تألقه كأستاذ وكنائب ثم رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب، وظل الدكتور مصطفى السعيد على اخلاصه لمبادئه الاقتصادية حتى اللحظات الأخيرة فى حياته فرفض التعويم الكامل للدولار ووجه انتقادات علمية وعملية كثيرة للقرار.

3- لاعب السياسة

تعجبنى مقولة (أن الاقتصاد أخطر من أن يترك للاقتصاديين) وقد كان من أهم عناصر عبقرية الدكتور مصطفى السعيد الاقتصادية أنه لاعب سياسى ممتاز، ولذلك كانت آراؤه الاقتصادية تعكس توازنًا دقيقًا بين عوامل متعددة دون اقتصار على النظريات الاقتصادية فقط، ولعل ذلك الجمع بين الاقتصاد والسياسة هو ما دفع البعض لاتهامه بالاشتراكية أو الميل للإجراءات الاقتصادية، وذلك لأنه كان أميل لدور أكبر للدولة، فقد رفض الخصخصة لمجرد البيع، ودخول رجال الأعمال لمجال السياسة، وكان ضد بيع البنوك العامة، ولكنه لم يتخذ مثل هذه المواقف لانتماء سياسى، وإنما لادراك عميق لطبيعة الاقتصاد والمجتمع فى مصر، ولاشك أن تلك المواقف وضعته معظم الوقت فى صفوف المكروهين من الحكومة ورؤسائهم مثل الدكتور عاطف عبيد، والدكتور كمال الجنزوى، إلا أن مواقفه الوطنية والمستقلة إلى حد كبير عن الحكومة جعلته مقربا من نواب وأحزاب المعارضة، وكانوا يلجأون إليه ليشرح لهم بمنتهى الأمانة العلمية الإجراءات أو بعض مواد القوانين التى تقدمها الحكومة.

وله موقف لا ينسى مع المعارضة فى آخر مجلس وآخر مرة ترأس فيها اللجنة الاقتصادية وهو مجلس 2005، فقد حدثت مشادة كبرى بين عدد من كبار نواب المعارضة وبين محافظ البنك المركزى طارق عامر، وكان عامر وقتها يشغل منصب نائب المحافظ الدكتور فاروق العقدة، وكانت القضية تتعلق حول بيع حصة الدولة فى بنك بريطانى يعمل فى مصر، وقد اشترى هذه الحصة عائلة أحد الوزراء، وما إن ابدأ نائب المعارضة يقول أن فى الأمر شبهة تواطؤ حتى فقد طارق عامر أعصابه لأنه اعتبر فى كلام النائب إهانة للدكتور فاروق، وانفعل طارق وهاجم النواب، وتصاعدت حدة المشادة لتصل لضرب نائب المحافظ، وحاولت بعض الجهات استغلال هذه القضية لإحالة أهم نواب المعارضة للتحقيق فى لجنة القيم، وطلبت هذه الجهات من الدكتور مصطفى السعيد بوصفه رئيس اللجنة التقدم بشكوى ضد هؤلاء النواب، لكنه رفض رغم أنه وصف حادثة الضرب بالهمجية، ولكنه لم يرض أن يقدم أفضل نواب المحاكمة على طبق من فضة إلى لجنة القيم.

4- ضد الإخوان

فى مجلس شعب 2005 ترشح الدكتور مصطفى السعيد مستقلا، ونجح باكتساح فى دائرته ديرب نجم، وقد شهد هذا المجلس نجاح 88 نائبا من الإخوان، وحاول الإخوان الإيحاء بأنهم وراء نجاح الدكتور مصطفى، فقابلهم فى البهو الفرعونى وأمام الجميع نوابا وصحفيين قال لهم: أنا حصلت على أصوات أعلى من نائبكم الذى نجح معى فى الدائرة فكيف تقولون إنكم دعمتونى فى الانتخابات، وقد لاحظ قيادات الإخوان فى ذلك المجلس مثل الكتاتنى ومحمد مرسى والبلتاجى أن الدكتور مصطفى عازف عنهم رغم علاقته المميزة بنواب المعارضة، فسألوه فى أحد اللقاءات فى البهو عن السبب، فرد عليهم بأن بعض مبادئ الإخوان تخرجه عن الوطنية، فالإخوان فصيل غير وطنى ودارت مناقشة سياسية ساخنة جدا، وحتى عندما وصل الإخوان للسلطة ظل الدكتور مصطفى السعيد على موقفه منه، وقد لعب دورا فى تراجع الإخوان عن الاستيلاء على منصب محافظ البنك المركزى من خلال بعض الترشيحات الإخوانية، فدافع عن بقاء الدكتور فاروق العقدة محافظا، واعتبر أن كل المرشحين من الإخوان لا يرتقون لتولى المنصب، فتراجع رئيس اللجنة الاقتصادية بحزب الإخوان الدكتور عبد الله شحاتة عن اللعب فى هذا المنصب الخطير، ونفى شحاتة أن الحزب قد قدم ترشيحات، وبالطبع شحاتة أحد تلاميذ الدكتور مصطفى السعيد، فأستاذيته كانت تشمل الجميع دون تفرقة سياسية.

5- تلاميذ وأستاذ

وللدكتور مصطفى السعيد تلاميذ كثر، ولكن قد لا يعرف البعض أن الرئيس السابق مبارك كان تلميذا مميزا جدا للدكتور مصطفى، فقد استعان به مبارك ليتعلم نظريات علم الاقتصاد فور تعيينه رئيسا، ويردد البعض أن علاقة السعيد بمبارك بدأت عندما كان الأخير نائبا للرئيس السادات، وكان الدكتور مصطفى ينبهنى لمتابعة بعض تلاميذه النابهين، وأذكر أنه كان حزينا لضياع مذكرات الدكتور عاطف صدقى، وقد حثنى أن نشترى المذكرات فى جريدة الفجر لأنها تمثل مرحلة هامة فى تاريخ مصر.

رحم الله الدكتور مصطفى السعيد رجل نادر من جيل العمالقة.