سيدة البهجة والطاقة حالة متفردة فى حياة مصر الفنية والاجتماعية والإعلامية

بوابة الفجر
 شهيرة النجار

رجاء الجداوى ولدت بالإسماعيلية وماتت فيها بعد 82 عامًا.. القدر كما قالت

أزياء وفن وتقديم برامج وحفلات وندوات وافتتاح أماكن كبرى ثم رحلت، كان لقائى الوحيد بها مصادفة في شتاء 2019 فى سان جيوفانى الإسكندرية ظهيرة يوم ممطر قارص البرودة، حيث ذهبت وزوجى لتناول الغداء، فإذا بى أجد منضدة فى آخر المكان تجمع بوسى شلبى والراحلة الراقية رجاء الجداوى ومعهما ثلاث سيدات واحدة منهن تصنع حقائب هى بنت شقيقة السياحى الكبير ناصر التركى، والثانية بنت شقيق نادية الجندى، والثالثة تصنع عباءات، نظرت لبوسى أتحقق من الملامح فجاءت بوسى بكل ذوق وسلمت علىَّ وتصالحنا وبدون عتاب، ثم طلبت منى أن آتى معها حيث المنضدة التى تجلس عليها رجاء الجداوى، فقلت لها: طبعًا دى أكبر منا مقامًا وسنًا ولا يصح أن تأتى لى، ذهبت وسلمنا على بعضنا وكان لقاء جميلاً بذوقها المعهود وقلت لها: دائمًا ما كانت تقولى جدتى لوالدتى إنك بنت ابن عمها أليست جدتك فاطمة؟.. فضحكت وقالت: صح. وأردفت أن والدها من المنزلة بلد والد جدتى التى استقرت بعد ذلك فى دمياط، وأن المنزلة كانت قبل التقسيم تتبع دمياط ثم الآن تتبع محافظة الدقهلية، ودار حوار وسلمنا والتقطت عدة صور معها وتبادلنا التليفونات وتكلمنا عدة مرات، حيث كانت تأتى كثيرًا للإسكندرية إما لافتتاح محلات أو معارض أو مراكز تجميل وخلافه، وللأسف كنت أعتذر عن اللقاء لأنها كانت لا تمكث أكثر من يوم ونصف ثم تغادر للقاهرة، وأكون خلال ذلك الوقت مشغولة مع الأسف ببعض الأمور، آخر مرة جاءت فيها للإسكندرية كانت أول الشتاء الماضى لافتتاح «إسبا» لزوجة مقاول شهير لديه عمارة شهيرة على البحر واسمه حاليا من الأسماء المطلوب دفعها لمبالغ ضخمة نتيجة مخالفات مبانى كثيرة، وهو مختفٍ حاليًا مثل كثير من المقاولين بالإسكندرية الذين وردت أسماؤهم فى القائمة وتعدوا الألف مقاول وليس أسماء الكواحيل.

ما علينا.. نعود لرجاء الجداوي، الله يرحمها، حيث كان قبل لقائها لافتتاح الجيم أو «الاسبا» قد جاءت فى مهرجان الإسكندرية السينمائى مع بوسى شلبى وحضرت الافتتاح ثم كان لقاء ندوة ثانى الأيام لها مع مجموعة من سيدات الإنرويل، وقد كتبت وانتقدت أن اسم الراحلة رجاء الجداوى وصورها يتم استغلالها من قبل كثير من العاملات فى مجال التجارة والأون لاين، حيث يتم التقاط الصورة معها ويتم عمل الماركتنج عليها لأن اسمها، رحمها الله، فى الموضة والسوق ليس قليلاً ويساوى وزنه ذهبًا، وبعد الندوة ذهبت لعزومة أخرى عند بعض الأصدقاء، ثالث يوم توجهت بباص للقاهرة، حيث ركبت الطائرة لجدة لتكريم من هيئة الترفيه هناك ثم عدة لقاءات بالسعودية، ومن السعودية اتجهت للإمارات حيث افتتاح أحد المراكز، ثم احتفالية لمحمد صلاح، الحقيقة كتبت قبل أقل من عام من أين لبوسى والراحلة رجاء الجداوى كل هذا الوقت والجهد، وكأنما كانت تخرج طاقتها فى عامها الأخير لترقد وتستريح فى العالم الآخر، صديقاتها المقربات إليها واللائى تقريبًا لم يكن يفارقنها ميرفت أمين ودلال عبد العزيز نعياها باكيات أنهما نادمتين لأنها بعد أن أنهت تصوير مسلسلها الأخير مع دينا الشربينى مرت عليهما بالسيارة واتصلت بدلال لتراها قائلة لها: وحشانى وعايزة أشوفك.. فردت دلال: أنا نايمة وبكرة نشوف بعض، وكذلك كان رد ميرفت أمين وكانت رغبتها ملحة فى لقائهما ليأتى اليوم وتنتقل لمستشفى العزل بالإسماعيلية مصابة بالكورونا، الحقيقة أعرف أن أكثر المقربين إنسانيًا ونفسيًا لرجاء كانت ميرفت أمين ودلال عبدالعزيز وبوسى شلبى، ووقفت رجاء بجوار بوسى فى ترتيب وتأثيت فيللا الشيخ زايد بعد رحيل محمود عبد العزيز وانتقالها للعيش فيها.

وتدخلت بين زوجين شهيرين فى الوسط الإعلامى بعدما تزوج الزوج المعروف على زوجته وأقنعت الزوجة المعروفة بعدم الطلاق واستجابت لنصائحها، بل كانت رحمها الله سببًا فى ظهور الزوجة ذات مرة على الهواء تفاجئ الزوج بالبالونات والورود أمام الجمهور وتحتفل معه بعيد ميلاده وتخرس ألسنة كثيرة، وكان هذا اقتراح الراحلة رجاء الجداوى التى تقرّب ولا تفرّق، معشوقة المصريين التى سنسرد لها العدد المقبل محطات من حياتها وأسرارًا، وكيف كانت تلك الكاريزما رغم أنها لم تكن بطلة شباك فى شبابها ولا كبرها، إلا أنها كانت نجمة العمل وهى ملحه وطعمه وكريزته، وكانت سارقة الكاميرا والبطلة الحقيقية لأى عمل شاركت فيه، والتى تحولت لحالة منفردة فى الفن والعمل الاجتماعى والأزياء والظهورات والعلاقات بين أهل الفن وأميرات العائلات الحاكمة عند العرب وهى فى سن كبيرة لتكسر القاعدة، مما جعل السيد رئيس الجمهورية يثنى على شياكتها ورقيها على الهواء وهى تقدم حفلاً لذوى الاحتياجات الخاصة، وتنعيها السيدة زوجة رئيس الجمهورية بل كانت تطمئن على حالتها أولاً بأول، فمن المؤكد هى حالة مختلفة، رجاء الجداوى رحلت بعد أن تركت سرير المرض الذى حسدها عليه الناس فى مرضها رغم أنها لم تأخذ من جيب أو رزق أحد، وحتى لو كان الاهتمام بها أكثر فهذا حقها، فهى سيدة الفن الراقى والمجتمع الشيك والأخلاق والرقى ورمز كبير تحسدنا عليه كبيرات العرب، وإلا لما كانت الطائرات الخاصة تأتى لمصر لتحملها لتحضر زفافًا أو تفتتح محلاً أو تقول رأيها فى موضوع، ولما قامت أكاديمية الموضة والأزياء فى مصر كانت بتنصيبها لها رئيستها من قبل وزارة الاستثمار والتجارة.

رحلت رجاء التى لها مع كل شخصية من أهل المجتمع قبل الفن قبل المال قبل الإعلام قبل الوزارة حكاية جميلة. رحلت رجاء التى كتبت قبل عددين أن سيدة الغناء العربى أم كلثوم كانت تحضر العروض التى تقدمها رجاء، وكانت تطلب أن ترتدى رجاء الموديل عليها قبل أن تختاره لترى نفسها فيه لأن لها كاريزما تخرج الموديل مختلفًا، رجاء التى نسى كثيرون أن خالتها سيدة الرقص العربى التى أعادت له هيبته تحية كاريوكا، رجاء التى عاشت حياة قاسية ماليًا مع أسرتها ورغم الفقر وملامحها -التى قالت هى عنها - العادية فهي ليست ليلى شعير مثلاً ملكة عرش المانيكانات والسحر والجاذبية فى مصر التى خطفتها السينما، رغم ذلك كافحت لتتخرج من أكبر المدارس الفرنسية وتصبح سيدة أزياء مصر الأولى بلا منازع لتتحول لرمز الأناقة والشياكة فى مصر وتعيد للسيدة الممتلئة بريقها بعد أن قدمت درسًا فى فن الاستمتاع بالحياة والملابس الشيك للممتلئات الكبيرات فى السن، حقًا هى حالة واحدة متفردة، وفى الوقت الذى تبحث فيه نجمات شباك الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات عن دور كانت السيناريوهات على مكتبها بالعشرات تطلب الرضا منها، وهى التى كان مجرد مشهد أو دور بسيط فى أعمالهن، يسطع مثل الشمس إنه ذكاء رجاء الجداوى الأولى فى عالم الأزياء وسيدته وملكة عرشه وسيدة التليفزيون والمسرح مع الزعيم ونجمة الإذاعة وزميلة التقديم مع ملك التوك شو عمرو أديب، ونجمة حضور المناسبات الاجتماعية وافتتاح المحال والمطاعم والديفليهات، قول «الأولى» فى كله، وفجأة تمرض وترحل بعد أن تركت مكانًا بحق وبدون مبالغة لن يصل إليه أحد بعدها، هى غير فى الطاقة والحيوية والتفاؤل، فقد صنعت أجيالاً من الحاليين أمام الشاشة وجعلت منهم نجوم صف أول رغم أنها ليست نجمة صف أول، صنعت مذيعين وجعلتهم صف أول، صنعت مذيعات وجعلتهن صف أول، وقفت بجوار وزيرات فى حكوماتنا السابقة حتى تقلدن مناصب كبرى، هى سيد الطاقة والبهجة وتميمة نجاح أى عمل، ولدت بالإسماعيلية وذهبت إليها مريضة ترقد «43» يومًا لتصعد روحها الطاهرة، إنه القدر الذى كتب كلمة النهاية لها فيها كما صرحت قبلاً وقالت: «أنا مؤمنة بالقدر.. الميلاد.. الجواز.. العمل.. الموت.. وحياتى كلها صدف فى صدف». سبحان الله.