حسن إسميك يكتب: هل سينقذ الشباب العربي أوروبا وأمريكا ديموغرافياً؟

حسن إسميك
حسن إسميك
طالعتُ كتاباً يحمل عنوان "ماذا نتوقَّعُ عندما لا يتوقع الآخرون" للكاتب الأمريكي "جوناثان. ف. لاست"، للوهلةِ الأولى يظهرُ العنوانُ عامَّاً يحمل كثيراً من الموضوعات التي يمكن أن تطرأ على الخاطر، ولكن عند التعمُّق فيه وقراءته بتمعُّن تجده يحمل عنواناً آخر، وهو: "الكارثةُ السكانيةُ القادمةُ التي ستواجه أمريكا"، إنه عنوانٌ يحملُ إنذاراً يثير بدوره شعوراً أقربَ إلى المفاجأة، إنْ لم يكن إلى الصدمة العلمية أو المعرفية؛ وذلك لأنَّ علماء "علم السكان" الديموغرافية والمحللِّين العالميين دَأَبوا على إخراج "الولايات المتحدة" من المشكلات المتعلقة بقضايا السكان وأحوالهم والصورة المستقبلية التي يمكن أن تواجههم؛ حيثُ دَرَجوا في فتراتٍ سابقةٍ على الرُّكُون إلى أنَّ الأوضاع الديمغرافية في أمريكا مطمئنة، باعتبار أنَّ لديها مَعِيناً لا ينضَبْ من القوى الشبابية القادرة على إدارة عمليات الإنتاج والخدمات، مقارنةً بدولٍ وشعوب متقدِّمة أصبحت تعاني من ظاهرة شيخوخة السكان وانحسار حجم القدرات الشبابية المطلوبة، ومن هذه البلاد التي تواجه تلك المشكلات من حيث التركيب والتوازن الديمغرافي في معظم القارة الأوروبية، وعلى رأسها "إيطاليا" و"ألمانيا" و"المملكة المتحدة"، فضلاً عن "اليابان" في آسيا، وفقًا لما نشره موقع "إيلاف".

ويضيف هذا الكتابُ بلداً محورياً وهو "الصين"، الذي يتنبَّأُ المؤلفُ أنَّها ستعاني سكانياً في غضون العقود الثلاثة المقبلة؛ بسبب تطبيقها سياسة الطفل الواحد للأسرة.

ويقول المؤلف: أنَّ تراجع عدد صغار السنّ وانحسار الفئة الشبابية يهدِّدُ بَدَاهةً أوضاعَ "الصين" في مستقبلٍ لا يراه "جوناثان" بعيداً، وفي ضوء هذا يحذِّرُ "أمريكا" بالذات من مغبَّة الثقافات والسلوكيات المستجدَّة في مجتمعها، من الاقتصار على طفلٍ واحدٍ، أو الاستغناء عن الإنجاب، والاستعاضة عنها باقتناء الكلاب والقطط داخل الأسرة، فضلاً عن كائنات الروبوت الآلي.

و"أمريكا" ظلَّت خارج هذا التصنيف السلبيّ لفترة طويلة، والسببُ يرجع إلى أنَّها بلدٌ مستقبِلٌ للمهاجرين على مدار مئتي عام من الزمان الحديث، وفي ضوء ذلك بقيَتْ البنيةُ السكانيةُ تتزوَّدُ بمَدَدٍ كبيرٍ ومتنوع من القدرات والإمكانيات والطاقات البشرية الشابَّة، سواءٌ من غرب ووسط أوروبا، أو من حوض المتوسط والشرق الأوسط، أو من الجنوب عبرَ أمريكا اللاتينية، ناهيك عن تيار الهجرة الآسيوي.

ويتوقَّفُ المؤلفُ عند مصطلح "القنبلة السكانية"، أو "التفجُّر السكاني" الذي ظَّلت "أمريكا" مع دولٍ أخرى متقدمة تُشاطِرُ العالَمَ كلَّه الخوفَ منها، كما حذَّر المفكِّر الإنكليزي المتشائم "توماس مالتوس" منها، مشيراً إلى ظاهرة "التكدُّس" أو ازدحام السكان لدرجةٍ تضيق بهم الكرةُ الأرضية.

لكنَّ الإحصاءاتِ الحديثةَ تُشيرُ إلى أنَّ أمريكا تواجه بالضبط مشكلةً معاكسةً، وأنَّ أبناء الشعب الأمريكي عبر أحدثِ جيلين (أي: منذ ستين عاماً تقريباً) تظهر مؤشراتُهم إلى بُطءِ معدَّلات تكاثر الأمريكيين.

ويتوقَّع المؤلفُ: أن يصلَ عددُ سكان العالم إلى الذروة، وبعدها يبدأ بالتقلُّص والانكماش خلال الخمسين سنةً القادمة.

بل إنَّ بلداً مثل "اليابان" قد بدأ بالتناقص والانحسار لدرجةِ أنه لن يحوي إلا نصفَ سُكَّانه فقط مع نهاية القرن الحالي.

وفي "إيطاليا" يشير الاختصاصيون إلى أنَّ عدد الوفيات يفوق باستمرار عدد المواليد كلَّ عام.

وتجدر الإشارةُ: إلى أنَّ هذا الكتاب نُشِرَ عام 2014/م، أي: قبل جائحة "كورونا"، أو "لعبة كورونا" بخمس سنوات على الأقل.

ويرى المؤلف: أنَّ ثَمَّ اعترافاً لا بُدَّ منه، وهو: أنه لولا موجة الهجرة التي عايشَتْها "أمريكا" خلال السنوات الثلاثين الأخيرة لأصبحت "الولايات المتحدة" على شَفَا هاويةِ "الانكماش السكاني".

هذا وقد أيَّدَ المؤلفَ محلِّلون كُثُر وكُتَّاب ومفكرون؛ حيثُ رأوا أنَّ ما ذكره -من ردّ الاعتبار للأسرة التي هي نواة الإنجاب ومحور المجتمع- هامٌّ جداً، فالأسرةُ ما زالت تشكِّلُ المصدرَ الأساسيَّ للقيم الأخلاقية والثقافة المجتمعية، وفي اضمحلالِ الأسرة سوف يصابُ المجتمع بانحسارٍ سكاني هائل، وتُفقَدُ منظومة القيم، وتتصلَّبُ شرايينُ التواصل بين الأجيال، فضلاً عن التراجع في العملية الإنتاجية الاقتصادية، ومسيرة الإبداع على كافة المستويات.

ويكتسبُ الكتابُ أهميتَهُ: من مؤلفه "جوناثان. ف. لاست" الذي يُعَدُّ واحداً من كبار المحرِّرين والكُتَّاب المخضرمين، وخصوصاً فيما يتعلق بحاضر ومستقبل المجتمع الأمريكي، ومقالاته تنشر في الصحف الأمريكية الكبرى مثل: "وول ستريت جورنال"، و"لوس أنجلوس تايمز"، و"واشنطن بوست".

بالإضافة إلى الكتب الكثيرة التي قام بتأليفها ونشرها، وحظيت بشهرةٍ وتأييدٍ من الوسائط الإعلامية المسموعة والمرئية، وبالاهتمام الجماهيري الشعبي من القراء والمتابعين.

وفي الطرف المقابِل: قامت مؤسسةُ "فريدريش إيبرت" بالاشتراك مع جامعة "لايبزيغ" الألمانية بدراسة "أوضاع الشباب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، وقام بتحرير هذه الدراسة كلٌّ من "يورغ غرتل" و"رالف هكسل"، ونشرت عام 2019 بنسختها العربية في أكثر من /500/ صحيفة.

تناولَتْ هذه الدراسةُ عند الشباب: غياب اليقين، والقِيَم، والدِّين، والجَنْدر (أدوار الذكور والإناث)، والأسرة، والاقتصاد، والجوع والعنف، والهجرة إلى الغرب، والاتصال والإعلام، والسياسة، والتعبئة، والمشاركة المدنية.
وكنتُ قد نشرتُ مقالاً مفصَّلاً عنها تحت عنوان: "الشبابُ بين فقدان الأمن وغياب اليقين - الواقع والمعوقات والحلول" بتاريخ 28/4/2020/م.

وذكرت هذه الدراسةُ في صـــ25: أنَّ الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين (15-29) سنة يشكِّلون (30%) من السكان العرب، ولا شكَّ أنَّ النسبة الأكبر من السكان أيضاً تتمركز بين (30-50) سنة من عدد السكان العرب، أي: في سنّ الإنتاج والطاقة، الأمرُ الذي يعني: أنَّ مجتمعاتنا العربية هي مجتمعاتٌ فتيَّة شابَّةٌ، آخذةٌ في الصعود في المقياس البيانيّ للديموغرافية السكانية.

وأَوْلَتْ هذه الدراسةُ عنايةً فائقةً واهتماماً كبيراً بدراسة أوضاع الشباب عبرَ استقراءٍ بيانيٍّ لقرابة تسعةِ آلافِ شابٍّ، وكانت دراسةً ميدانيةً حقيقيةً، ويمكن لهذه العنايةِ والاهتمامِ أن يطرح كثيراً من التساؤلات حولَ غايتها وما ترمي إليه، إذْ إنَّ المؤسسات البحثية الكبرى وكذلك المراكز والجامعات الغربية لا تقومُ بمثل هذه الدراسات عَبَثَاً، بل لأهدافٍ استراتيجيةٍ معينة.

فهل يبحثُ الغربُ -ديموغرافياً- عن منقذٍ له، ولكنَّه يريد أن يكون هذا الـمُنقِذُ نوعيَّاً؟
إنَّه سؤالٌ هامٌّ، ولا سيَّما إذا عرفْتَ أنَّ مثل هذه الدراسة -وغيرُها كثير- قد استمرَّت لسنواتٍ، وكان من ضمن ما قامَتْ به: أنْ أفردت فصلاً خاصَّاً تحت عنوان: "التنقُّل والهجرة وحركةُ اللاجئين"، من إعداد "يورغ غرتل" و"آن كريستين فاغنر"، تناوَلتْ هذه الدراسةُ التركيز على الظروف المادية والاجتماعية والاقتصادية للشباب المهاجرين، وأنَّ الهجرة ليست مرتبطةً دائماً بالفقر، بل بإعادة صياغة حركة التنقُّل البشرية بوصفها قدرةَ حريةِ الناسِ على اختيار المكان الذي يريدون العيشَ فيه، ومرتبطةٌ كذلك بالاستعداد لقبول بعض التغييرات في الحياة، فعلى سبيل المثال: معظم الشباب يستبعدُ الزواج بشخصٍ من ديانةٍ مختلفةٍ، أو أكبر سناً، على حين أنَّ الفتيات أقلّ استعداداً بكثيرٍ للزواج من ديانةٍ مختلفةٍ، وكلا الجنسين يرى الزواج بشريك من طبقة اجتماعية أعلى (غَنِيَّة) أمراً مرغوباً أكثر.

وقد يكون الدافع للهجرة الحصول على مؤهلاتٍ مهنيةٍ، وهو يشكِّل دافعاً مقبولاً للهجرة، ومنها: التعلُّم في الجامعات والدراسات العليا فيها، وأكَّدت الاستطلاعات أنَّ الشباب لا يستخفُّون بالهجرة، ولكنهم ممزَّقون في مواصلة حياتهم مع العائلة، ويرغبون بتقديم مساهمة لبلدانهم المنكوبة، وأكَّدت الدراسةُ كذلك أنَّ معظم الشباب الذين يرغبون بالهجرة لا يستهويهم العمل في المجال الزراعي، وأنَّهم لا يرغبون بقبول وظيفةٍ لا تتطابق مع مؤهلاتهم المهنية أو الدراسية.

إنَّ الدافع الرئيسَ للشباب إلى الهجرة هو العثور على عملٍ في الخارج، أو العيش برفاهية، أو توسيع آفاقهم، ويدرك الشباب العوائق الثقافية والتوظيفية التي تنتظرهم من جراء الهجرة للاندماج مع البلدان التي سيختارونها، ومع ذلك كثيرٌ منهم مصمِّمٌ على الهجرة.

وتناولت الدراسةُ أوضاعَ المهجرين واللاجئين السوريين في لبنان خاصةً، وفي غيرها من الدول عامةً، وأنَّ من أسباب الهجرة الرئيسة لهؤلاء: القتال الدائر في سورية، والفقر، والأضرار المادية والمخاطر التي تهدِّدهم أو تهدِّد أفراد أسرتهم، ويتَّضح أنَّ نسبةً قليلةً منهم عندها تصورات ترتبط بمستقبلهم، وخصوصاً أنَّ كثيراً منهم قطع مسيرته التعليمية، واللجوءُ أجبرهم على العمل بأعمال غير شرعية، وتعرضوا لكثيرٍ من الفقر والجوع.

وعليه، فإنَّ مثل هذه الدراسة وغيرها يُعِيرُ اهتماماً بالغاً لفئة الشباب العربي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ لأنهم يرون فيهم مادة هامَّةً، وطاقةً كبيرةً يمكن أن يتمَّ استثمارها، ولكن أين سيتمُّ استثمارُ طاقات شبابنا في مختلف المجالات والقطاعات؟

ويبدو لي: أنه ونتيجةً للمشكلة الديموغرافية (السكانية) التي تعيشها حالياً القارةُ العجوزُ "أوروبا" ستلجأُ الدولُ للتعويض، ولن يجدوا ظروفاً مناسبةً يستثمرونها كالدول العربية التي تعيش حالةً من عدم الاستقرار والأمن، وزيادة في البطالة، إضافةً إلى الفضاء الواسع الذي وفَّرته وسائلُ التواصل الاجتماعي، والذي أدَّى إلى انبهار شبابنا بالغرب، ولم يَعُدْ قانعاً بمستواه المعيشي، ولا بالدور الذي يمارسه ضمن مجتمعه العربي، والذي يتَّسِمُ غالباً بعدمِ وجوده في المكان المناسب في عمله ووظيفته، علاوةً على الانفتاح الذي رأى فيه كثيرٌ من الشباب حريةً ثقافيةً واجتماعيةً أصبحوا يطمحون إليها، ولا يجدونها في بلدانهم.

وأعتقدُ أنَّ "أمريكا" ستلحق "أوروبا" قريباً في استثمار الطاقات الشابَّة من الوطن العربي بناءً على الدراسة التي قدَّمها "جوناثان. ف. لاست"، وإنْ كانت خياراتُها أوسع لقرب أمريكا اللاتينية منها، والتي تعيشُ ظروفاً تشبه ظروف بعض البلدان العربية.

ولكن هناك أسئلةٌ لا بُدَّ من الإجابة عليها:

- إنْ كنَّا سنفقد كثيراً من الخبرات المهنية، والاختصاصات العلمية، والقدرات التشغيلية لشبابنا فهل ستتمكن بلدانُنا العربيةُ من التعويض؟

- إذا اندمج شبابنا في المجتمعات الغربية، وأصبحوا جزءاً منها هل سينسون القِيَم التي تربَّوا عليها سواءٌ الدينية أو الاجتماعية والثقافية؟

- ماذا عن أبناءِ الجيل الثاني والثالث من المهاجرين؟

- هل سيؤثِّر شبابُنا في المجتمعات الغربية، ويغيِّرون كثيراً من مفاصل الحياةِ فيها؟ أو أنهم سيكونون منفعلين لا فاعلين؟

- هل سيتبوَّأ شبابنا مراكز هامة في هذه الدول أو سيكونون مجردَ أداةِ إنقاذٍ على المستوى المهنيّ والتشغيلي ضمن قطاعات معينة؟

- ألا يمكنُ للدول العربية أن تشكِّل مشروعاً تنموياً كبيراً –"مشروع مارشال عربي"- تتمكَّنُ من خلاله إنقاذ ما يمكن إنقاذُهُ من شبابنا و استيعاب طاقاتهم التي تحتاجها أوطانهم؟

إنَّها أسئلةٌ هامةٌ برَسْمِ أهل الاختصاص، وأسئلةٌ أرجو من شبابنا أن يجدوا الإجابة عليها عند اتخاذ أيّ قرارٍ يمكن أن يغيِّر مجرى حياتهم للأبد.