عادل حمودة
كتب
عادل حمودة

عادل حمودة يكتب: رؤساء الولايات المتحدة مدمن وممثل ومتحرش وزعيم مافيا فمن جاء بهم إلى البيت الأبيض؟

هيكل يجيب عن السؤال الصعب المتجدد: من يحكم أمريكا ويصنع قرارها؟

ليندون جونسون كان يفخر علنا بفحولته ويتعمد إطلاق النكات القبيحة أمام النساء 

بعد نشر تسجيلات فضيحة ووترجيت ظهر ريتشارد نيكسون على حقيقته وبدا كأنه أحد أعضاء عصابات المافيا

جيرالد فورد وصف بأنه لا يستطيع فعل شيئين فى وقت واحد وأصبح ممثلاً فاشلا عمره خمسة وسبعين سنة ينام فى المفاوضات مثل رونالد ريجان 

ترامب تهرب من الضرائب واشترى سكوت إحدى نجمات البورنو ولم يتوقف عن سب معارضيه بألفاظ لا تعرفها سوى بيوت الدعارة

العائلات الثرية وظفت مفكرين فى مؤسساتها بنفس مميزات مديرى البنوك والمصانع

رأسماليو الشرق جاءوا بالرؤساء ترومان وأيزنهاور وترامب.. ورأسماليو الغرب جاءوا بالرؤساء جونسون وريجان وكارتر

وزراء الدفاع والخارجية والمالية ومستشارو الأمن القومى كلهم جاءوا من شركات خاصة

عندما زار دونالد ترامب موسكو أصر على أن يستأجر الجناح الرئاسى فى الفندق الذى سبق أن نزل فيه باراك أوباما.

لكنه لم ينم فى الفراش وإنما طلب من عاهرات لحقن به أن يتبولن عليه متصورا أن أوباما لا يزال يرقد فيه.

أكثر من ذلك تهرب من الضرائب واشترى سكوت إحدى نجمات البورنو ولم يتوقف عن سب معارضيه بألفاظ لا تعرفها سوى بيوت الدعارة.

مستوى من البشر لا يناسب رجلاً يحكم القوى العظمى الأكثر تأثيرا فى العالم.

لكنه فى الحقيقة ليس الرئيس الأمريكى الوحيد من نوعه.

سبقه رئيس متدنى الذكاء.. يهوى الكذب.. عولج من إدمان الخمر.. نال من السخرية ما جعله أضحوكة الدنيا كلها.. هو جورج بوش جونيور.

وكان ليندون جونسون يفخر علنا بفحولته ويتعمد إطلاق النكات القبيحة فى وجود النساء وعندما أجرى جراحة فى المرارة خلع ملابسه ليتمكن الصحفيون والمصورون من رؤية أثر الجرح.

وبعد نشر تسجيلات فضيحة ووترجيت ظهر ريتشارد نيكسون على حقيقته وبدا وكأنه أحد أعضاء عصابة من عصابات المافيا.

ووصف جيرالد فورد بأنه لا يستطيع أن يفعل شيئين فى وقت واحد.. لا يستطيع أن يمضغ لبانا وهو يلعب الكرة.. وعندما سقط على رأسه ارتج مخه.. وقيل: إنه ظل مرتجا حتى مات.

وتضاعفت الدهشة عندما أصبح ممثل فاشل عمره خمسة وسبعين سنة ينام فى المفاوضات مثل رونالد ريجان رئيسا باكتساح.

وتندر البعض قائلا: إن أمريكا بعد مآسى رؤسائها لم تجد رئيسا يمثلها فجاءت بممثل محترف يمثل دور الرئيس.

وأمام تلك الشخصيات الهزلية التى تتحرك مثل عرائس الماريونت يثور سؤال يتكرر كلما بدأت عن قرب انتخابات رئاسية جديدة: من يحكم أمريكا؟.

عاد السؤال ليفرض نفسه مرة أخرى بعد أن ارتفعت أسهم ترامب إلى القمة ثم فرضت عليه أحداثا قدرية (الكورونا) وطائفية (مقتل الشاب الأسود جورج فلويد) أجهزت على فرصة استمراره فى المكتب البيضاوى فلم يعد مؤيدا ممن يؤثرون فى صناعة القرار.

أكثر من ثلاث ساعات من الفيديوهات الوثائقية أنتجتها كبرى محطات التليفزيون حاولت الإجابة عن السؤال وتفرغت خمسة مراكز أبحاث شهيرة للسؤال نفسه لتصل إلى نتيجة ربما تكون مقنعة.

وأشهد أن السؤال قديم وصعب وممل ولا أحد قدم إجابة شافية عليه أفضل من إجابة محمد حسنين هيكل فى كتابه «زيارة جديدة للتاريخ»، يتوقف هيكل عند 7 شخصيات عرفها عن قرب آخرها الملياردير الأمريكى دافيد روكفلر.

التقى به هيكل أكثر من عشر مرات بين نيويورك وواشنطن والقاهرة ولندن لكن معظم المقابلات جرت فى مكتبه فى الطابق الخامس والثلاثين فى مبنى بنك تشيز مانهاتن الذى تملكه أسرته ويقع وسط وول ستريت حى رجال المال والأعمال فى نيويورك.

جدران المكتب مغطاة بمجموعات من لوحات تتغير كل سنة وتحت مستواها توجد موائد ورفوف عليها مجموعات من فنون النحت تتغير بدورها كل سنة مما يعنى أن الرأسمالى المتميز يحافظ على سلامة تذوقه للإبداع حتى لا يكون مجرد صرة مال.

إن الغنى الأسطورى لعائلة روكفلر لم يكن هو ما يثير اهتمام دافيد وإنما كان المثير دائما هو دوره أو أدواره.

والواقع أنه لعقود طوال كان ثلاثة أدوار فى رجل واحد: هو بابا البنوك الأمريكية كلها ثم هو أمير نيويورك بغير منازع ثم هو أخيرا ما يمكن أن نسميه مجازا: رئيس حكومة الظل التى تشارك بالتوجيه فى نيويورك فى مقابل حكومة السلطة التى تشرف على التشريع والتنفيذ من واشنطن.

باختصار هو واحد من أهم أقطاب النخبة المهيمنة فى الولايات المتحدة.

وبالتعجب من شخصيات وتصرفات سادة البيت الأبيض يصبح للسؤال التالى قيمته ووجاهته: هل الرئيس الأمريكى هو الذى يقرر السياسة الخارجية والأمن القومى للولايات المتحدة أم أن هناك أطرافا أخرى؟.

وتضاربت الآراء حول مصدر القرار الأمريكى وتصادمت النظريات.

كانت للشيوعية نظرية ترى أن القرار الأمريكى ليس لساكن البيت الأبيض وإنما القرار فى يد حكومة خفية تقوم على تحالف ثلاثة أطراف: وول ستريت (حى المال والأعمال فى نيويورك) ووكالة المخابرات المركزية (سى آى أيه) والبنتاجون (قيادة القوات المسلحة).

ويعتقد هيكل أن ذلك تبسيطا مخلا بالحقيقة فهو يقوم أساسا على نظرية المؤامرة فى التاريخ والتاريخ لا يمكن أن يكون مؤامرة بمعنى أن التاريخ قد يشهد مؤامرة لكن التاريخ لا يمكن بأى منطق أن يتحول كله إلى مؤامرة.

وكان لليبراليين نظرية أخرى معاكسة ومؤداها أن الولايات المتحدة مجتمع مفتوح يستطيع أى فرد فيه أن يصبح رئيسا وأن يقرر ويحكم.. حرية بلا قيود من عرق أو جنس أو دين أو مصلحة.. ديمقراطية ذاهبة إلى أبعد مدى لدرجة أن صاحب محل خردوات (ترومان) وراعى بقر (جونسون) ومزارع فول سودانى من ألباما (كارتر) وممثل من هوليود (ريجان) وصلوا جميعا إلى مقعد الرئاسة من خلال اقتراع عام.

ويعتقد هيكل أن ذلك تسطيحا للحقيقة فهو يقوم على أحلام وأوهام لا يمكن أن تستند إلى قوة فى مثل حجم ودور وتأثير بلد كالولايات المتحدة.

ومع ذلك يضيف هيكل: يتبقى أن لكل سؤال يتحتم أن يكون له جواب.

وإذا كان الجواب الأول من الشيوعيين ــ على أساس نظرية المؤامرة المطلقة ــ مخلا.. بالتبسيط.

وإذا كان الجواب الثانى من الليبراليين ــ على أساس نظرية الحرية المطلقة ــ مسيئا.. بالتسطيح.

إذن فما هو الجواب؟.

جواب هذا السؤال مسألة بالغة التعقيد بجانب أنها بالغة الأهمية بالنسبة لنا فى العالم العربى لسبب ظاهر هو أننا مربوطون على نحو أو آخر بسلاسل إلى الولايات المتحدة بعضنا سلاسله من ذهب وبعضنا سلاسله من حديد.

المقبول والمعقول أن القوة الحقيقية فى أى مجتمع هى للذين يملكون المصالح الحقيقية فيه ولما كان تركيز المصالح فى الولايات المتحدة شديدا ثم إن التداخل بين هذه المصالح المركزة فى الولايات المتحدة عميقا بسبب طبيعة التركيبة الأمريكية وظروفها الخاصة إذن فإن بعض مواقع القوة تصبح لها سلطة نافذة يصعب تحديد مجالها كما يستحيل حصره.

ولو كان هيكل قد وصف روكفلر بأنه بابا البنوك الأمريكية.. ثم بأنه أمير نيويورك بلا منازع.. ثم رئيس حكومة الظل التى تشارك بالتوجيه من نيويورك مقابل حكومة السلطة التى تشرف على التشريع والتنفيذ من واشنطن فإن تلك الأوصاف فى حقيقتها هى محاولة بناء مواقف أو وضع حجر فوق حجر وطابق يرتفع على طابق تحته.

بسبب سيطرة أسرته على أكبر بنوك فى أمريكا (تشيز مانهاتن وناشيونال سيتى وعشرات غيرهما) فإنه أصبح بابا البنوك بالحق الطبيعى.

ولأنه أصبح بابا البنوك وأكبرها مركزا فى نيويورك (العاصمة المالية مقابل واشنطن العاصمة السياسية) فإنه أصبح أمير نيويورك بواقع الأمر.

وبحقائق القوة المترتبة على ملكية المصالح المالية العظمى (فى أغنى مجتمع عرفه العالم) فإن العاصمة السياسية لم يكن لها أن تتصرف بمفردها فى القرار الأمريكى ولا كانت قادرة على ذلك أو مستعدة حتى للمحاولة.

والنتيجة مقبولة ومعقولة ولا تحتاج إلى نظرية تآمرية هى أن دافيد روكفلر بموقعه وموضعه على قمة تركيبة قوة اقتصادية ومالية هائلة له صوت مؤثر فى القرار السياسى الأمريكى ضمن أصوات أخرى بالطبع بحكم تعددية المجتمع الأمريكى وحيويته.

لكن لنصل إلى هذه النتيجة يجب أن نبدأ من أول السطر.

إن قصة دافيد روكفلر مثل كثيرين غيره هى قصة ظهور ونمو القوة الأمريكية.

كان جد دافيد روكفلر الأكبر ويليام نوعا غريبا من المهاجرين ادعى فى فترة من فترات حياته أنه طبيب وراح يعالج مرض السرطان بالشعوذة ثم دخل السجن متهما باغتصاب شابة صغيرة السن وكانت زوجته المهاجرة الإسكتلندية هى التى حفظت البيت ورعت الأولاد ووجدت وظيفة لابنها جون ــ كاتب حسابات فى شركة كلفته يوما بدراسة احتمالات التوسع فى أرض يسكنها الهنود الحمر فى بنسلفانيا وعندما ذهب لقياس الأرض اكتشف حقل بترول ثم مجموعة حقول بترول وضع يده عليها وأصبح مليونيرا فى سنوات معدودة.

وورث دافيد تلك الثروة وكان عليه مضاعفتها وحقق ذلك بنظرية جديدة فصل فيها الملكية عن الإدارة واختار مساعدين أكفاء وموثوق بهم.

ولم يعبأ مثل جده بالهجوم عليه بسبب أساليبه فى الحصول على الثروة وكان يقول: إن رصيدى فى البنك هو الشهادة لى بأن الله راض عما أفعله.

وفى بداية القرن العشرين كانت ثروة العائلة تقدر بألف مليون دولار ثم ارتفعت إلى مائة ألف مليون دولار.

وحاولت العائلة التخفيف عن ضغط ضميرها عليها فأنشأت مؤسسة خيرية للتعليم وأسهمت فى إنشاء عدد من الجامعات تتبرع لها بمئات الملايين من الدولارات وعلى أيه حال فآلة صنع الثروة لم تكف عن الدوران.

ولم يكن روكفلر وحده فارساً فى هذا المضمار وإنما كان معه كثيرون كلهم اغتنوا وكلهم جمعوا ثروات طائلة واكتسبوا نفوذا واسعا وراء هذه الثروات الطائلة وكلهم تركزوا فى الشركات والمصانع والبنوك.

أسماء مشهورة حتى الآن إلى جانب اسم روكفلر: مورجان وميللون وفاندريت وهاركنس وكارينجى ووينثروب وغيرهم وغيرهم.

وكان لهؤلاء جميعا جيوش من المديرين والمحامين والمستشارين والمشرعين والدعاة.

وهكذا تحولت جماعة الشرق الموجهة والحاكمة إلى شبه مؤسسة ثم إلى مؤسسة كاملة تتفاعل مع ما حولها وتبلوره ــ وأحيانا تعارضه وتتصدى له اجتماعيا ومن ثم سياسيا وراح دورها يزداد ظهورا وبروزا فى الولايات المتحدة.

أصبحت هى ما يطلق عليه اسم المؤسسة الشرقية.

ولم تكن هذه المؤسسة ظاهرة مباشرة فى سلطة الحكم فى واشنطن لكنها كانت موجودة.. وكان نفوذها محسوسا سواء بما تملكه مباشرة من المصالح الكبرى أو بما تشتريه فى سوق السياسة من وسائل فى الكونجرس أو حتى فى البيت الأبيض ذاته.

وخرج من تلك المؤسسات شخصيات كانت فى خدمتها غيرت خريطة المصالح الأمريكية.

على سبيل المثال تولى جون ماكلوى وقت أن كان رئيس مجلس إدارة بنك تشيز مانهاتن (أحد بنوك عائلة روكفلر) مسئولية إعادة ترتيب الأوضاع فى المانيا بعد هزيمة النازية.

وعلى سبيل المثال كان هارولد أيكس ــ أحد محامى شركة ستاندارد أويل (إحدى شركات عائلة روكفلر) هو الذى وضع سياسة أمريكا البترولية كلها بعد الحرب العالمية الثانية.

وتتكرر الأمثلة التى تثبت أن مؤسسة روكفلر ليس مجرد ماكينة لتصنيع الثروة فقط وإنما هى جهاز ضخم لتوليد الأفكار ونشرها فى الولايات المتحدة وخارجها يضاف إلى ذلك مراكز للبحث والدراسة وإعداد البدائل والخيارات بجانب أقسام متخصصة فى مساعدة التعليم وتطوير البيئة وتمويل مشروعات علمية تضع العاملين فيها على مئات النقط الحساسة باتساع العالم بأسره.

ويفتح هذا الجهاز الضخم كل نوافذه وأبوابه لأصحاب الفكر ليحصلوا كمديرين للعقول على نفس الدخول التى يحصل عليها مديرو البنوك والشركات والمصانع (الفكر من الداخل وليس من الخارج وللتنظير والمصالح وخدمتها وليس للسخط عليها بالتوتر والقلق).

وبهذه الرعاية الفائقة لأصحاب العقول قدمت مؤسسة روكفلر ــ وغيرها من المؤسسات المشابهة للعائلات الثرية ــ شخصيات موهوبة ساهمت فى السلطة مباشرة.

ماك جورج باندى خرج من مؤسسة روكفلر ليصبح أول مستشار للأمن القومى وكان ذلك فى عهد الرئيس جون كيندى.

ومن يومها وكل مستشارى الأمن القومى للرؤساء الأمريكيين من نفس المصدر: روستو وكيسنجر مثلا.

روبرت ماكنمارا وزير دفاع كيندى كان من قبل رئيسا لمجلس إدارة شركة فورد للسيارات.

وقبل ذلك كان جون فوستر دالاس وزير خارجية الرئيس أيزنهاور محامى شركات وكان مثله وزير المالية وقتها جون أندرسون.

ومن يومها وحتى الآن وكل وزراء الدفاع والمالية من نفس المجال.

جورج شولتز وزير خارجية ريجان كان نائب رئيس مجلس إدارة شركة بكتل للمقاولات.. زميله كاسبر واينبرجر وزير الدفاع كان رئيسه فى بكتل.. ووليم كايسى مدير وكالة المخابرات المركزية وقتها كان محامى شركات وتولى مفاوضات الحد من الأسلحة فى جنيف.. كامبلمان وهو ليس دبلوماسيا محترفا ولا عسكريا محترفا وإنما هو محامى شركات أيضا.

ويستطرد هيكل: وهكذا وهكذا.. أعلام الفكر (الاستراتيجى والاقتصادى والسياسى والعسكرى) وأعلام الإدارة فى الشركات والمؤسسات وأعلام القانون من أساتذة الجامعات أو محامى الشركات يسبحون جميعا فى تيار واحد ويقودون دولة فعلا فى كل النواحى بصرف النظر عن الضوء المركز على البيت الأبيض وشخصية الرجل الجالس فى مكتبه البيضاوى.

وفى المحصلة النهائية فإن المصالح واحدة أو هى متسقة ومنسجمة والحوار والحركة والفعل فى دائرة واحدة تخلق جميعا فى النهاية شبة إرادة واحدة دون حاجة إلى نظرية المؤامرة.

وتجرى الانتخابات ويدخل رؤساء وتظل السياسات فى مجملها مستمرة باستمرار حركة الجدل بين المراكز والمواقع ونتيجة لذلك ينتقل التركيز أحيانا من موقع إلى موقع ولكن الإطار العام للصورة لا يميل ولا يختل.

وفى كثير من الأحيان يأتى رؤساء إلى البيت الأبيض دون فكرة محددة فى قضية بالذات ويكون الأسهل على أى واحد منهم وسريعا أن يتبنى خطة لحل هذه القضية جرى إعدادها قبل رئاسته فى أحد المراكز.

كذلك فعل جيمى كارتر مثلا فى أزمة الشرق الأوسط.. لم يكن مستعدا لها.. ولم تكن بين أولوياته.. وعندما طرحت نفسها عليه استعار خطة مركز بروكينجز كاملة بغير تعديل وقد أشار عليه بها بريجنيسكى مستشاره للأمن القومى وكان أحد المشاركين فى مناقشتها وكان الدارس الذى صاغها فى مركز بروكينجز هو وليم كوانت الذى أصبح بعدها مسئول مجلس الأمن القومى فى البيت الأبيض المكلف بقضية الشرق الأوسط ولمع اسمه بعد ذلك كواحد من نجوم كامب ديفيد.

والأهم والأخطر أن مراكز الأبحاث التى تمولها العائلات الثرية هى التى وضعت خطة الحرب الباردة للتخلص من الاتحاد السوفيتى بجره نحو سباق تسلح ينفق فيها الجزء الأكبر من موازنته العامة على حساب رفاهية الشعب ونجحت الخطة وتفككت بالفعل الإمبراطورية الشيوعية.

ونجت تلك المراكز أيضا فى وضع خطط استيلاء الولايات المتحدة على النصيب الأكبر (60 % على الأقل) من بترول الشرق الأوسط وكانت تلك النسبة فيما قبل لبريطانيا.

ونجحت تلك المراكز كذلك فى رفع أسعار النفط بعد حرب أكتوبر لتتضاعف الثروات الأمريكية وكان ذلك على حساب أوروبا وآسيا.

مما سبق يمكن القول إن المؤسسة الشرقية تشير وتوجه فى صنع السياسة الأمريكية وأثبتت قدرات خارقة فى ذلك.

وفى سباق التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى نمت الصناعات العسكرية وصناعة الطائرات ومركبات الفضاء والصواريخ والصناعات الإلكترونية وتكونت مصالح هائلة (بوينج ولوكهيد ونورثورب وكويل وماكدونالد دوجلاس ويونايتد تكنولوجى وجنرال دايناميكس وجيتى وهيوز وغيرها وغيرها.

واستراحت تلك الشركات العملاقة فى الجنوب والغرب (تكساس ثم كاليفورنيا).

وكان لابد أن تكون لهذه المصالح الهائلة وسائلها فى التأثير على القرار وحصلت لنفسها بدورها على ما تحتاج من مديرين (للأموال والعقول) وأضافت إليهم مديرى للاتصالات فلم يكن لها أن تترك بعدها الجفرافى عن واشنطن عقبة تحول دون أن تكون حاضرة باستمرار.

وهكذا أنشأت المصالح لنفسها مؤسسات جديدة ومراكز للأبحاث وجندت خبراء فى العلاقات العامة وعبأت مكاتب محامين ليكونوا قوى حضور فى الشرق لمؤسسة غربية استكملت كل أسباب ظهورها وبروزها فى الولايات المتحدة التى يسمونها حزام الشمس.

ويستلفت النظر أن الدور المتنامى للمؤسسة الغربية إلى جانب المؤسسة الشرقية ــ من الحرب العالمية الثانية وبعدها.

الرئيس روزفلت والرئيس ترومان والرئيس أيزنهاور والرئيس كيندى كلهم من دائرة نفوذ المؤسسة الشرقية.

وبعد الحركة من الشرق إلى الغرب: الرئيس جونسون من الجنوب والرئيس نيكسون من الغرب والرئيس كارتر من الجنوب والرئيس ريجان من الغرب.

ومؤخرا عادت المؤسسة الشرقية لتسترد زمام المبادرة وجاءت بترامب من عالم العقارات لتنفض عنه الكساد الذى أصابه فى عام 2008.

وراهنت المؤسسة الشرقية على موهبة ترامب فى أخذ ما يريد دون حياء ليزيد من فرص التشغيل ونجح بالفعل ووفر عشرة ملايين وظيفة وخفض معدل البطالة إلى أدنى نسبة منذ عشرين سنة وبما حقق نقل كثيرين من كراهيته إلى الإعجاب به حتى أنه خرج ذات مرة ليقول: إنه سيعيش فى الضمير الأمريكى حتى يوم القيامة. لكن شاء القدر أن يفسد الخطة وعجز ترامب على حصار فيروس كورونا وبقتل الشاب الأسود انفجرت التظاهرات المعادية للعنصرية التى نسب لترامب أنه يحرض عليها وينحاز إلى البيض ليدعم وجودها.

وأغلب الظن أن أصحاب المصالح يطلبون من مراكز أبحاثهم ما يجب عليهم القيام به ولن يطول انتظارنا حتى نعرف النتيجة.