محمد مسعود
كتب
محمد مسعود
Advertisements

محمد مسعود يكتب: بلقيس.. الملكة القاتلة

اغتصب الملك الظالم مُلك والدها وأشاع الرعب وقتل المئات 

لم تغضب لملكها المسلوب وغضبت مما جرى فى البلاد والعباد فاتخذت سلاح الأنوثة والفتنة لتلعب برأس الملك الظالم

الملك وقع فى غرامها بعد أن اشتعلت نيران جمالها وأنوثتها فى قلبه وجسده وقرر الزواج منها 

ليلة الزفاف كانت الليلة الأخيرة فبدلا أن يدخل دنيا الحب.. خرج منها مقطوع الرأس

كان نبى الله داود عليه السلام، يحكم فى بنى إسرائيل بالعدل، فازدهرت حياتهم، بعد أن حاول نبى الله أن يذيب الأسباط الأثنى عشر فى أمة واحدة، وأن يقضى على العصبية السائدة فيما بينهم. ومرت السنوات وأصبح نبى الله شيخا جليلا، فدوام الملك لله الواحد القهار، وخرج ابنه أودونيا يدعو نفسه ملكا على بنى إسرائيل، ويطلب من جميع أخوته مبايعته أثناء وليمة طعام دعا إليها الجميع باستثناء سليمان، وهو ما أزعج والدة سيدنا سليمان، وجعلها فى غاية العجب، كون نبى الله داود وعدها بأن يخلفه سليمان فى الملك، فدعى نبى الله داود رجاله، وأمرهم أن يركب سليمان على بغلته وينفخون فى الأبواق.. ويطوفون به.. ويعلنونه ملكا.

وما إن بلغ أودونيا ما حدث، حتى لاذ بالفرار إلى خيمة الرب رافضا الخروج منها إلا بعد أن يأتيه الأمان من أخيه سليمان، الذى لم يتورع فى إعطائه الأمان، وبدأ سليمان فى تنفيذ هيكل أورشليم.

1- فتنة الملوك

كان الناس فى اليمن فى ذلك الوقت يعانون من حاكم ظالم، لا يتورع عن قتل من يعترض، لذا فكرت بلقيس، كيف تخرج شعبها مما يكابده، وتنقذ مملكة سبأ وتعيد إليها الطمأنينة والاستقرار، وعهدها الزاهر كما كانت عليه فى عهد أبيها الراحل.. فاتخذت أقوى أسلحتها فى مواجهة هذا الملك الظالم الطاغية الذى كان يستمتع بأنات العذاب وصرخات المُعذبين.

أعدت بلقيس عدتها، لتنقذ شعبها، ووضعت خطتها المحكمة، وسلاحها الفتاك، أنوثتها.. فتزينت وأرخت شعرها الناعم الطويل الأسود كلون الليل، واختارت بعناية أفخر وأجمل الثياب التى قد تسرق العقول، وتحرك الأبدان الخاملة.. وتحلت بالأساور واللآلئ، فكانت آية من آيات الحسن كما وصفها الكاتب الكبير عبد الحميد جودة السحار فى رائعته محمد رسول الله والذين معه.. وذهبت إلى قصر الطاغية.

وكان دخولها على الملك أشبه بالنار التى ألانت الحديد، والمخدر الذى سرى فى عروقه، فقد فتح فمه دهشة لهذا الجمال الآخاذ الذى يسرق العقل، فأجلسها إلى جواره.. ونفذت بلقيس خطتها كاملة، فألانت له الكلام والابتسام، وتعلق الملك بها شغفا.. وفى هذه الأثناء قررت أن تنهى الزيارة.. بعد أن أشعلت النار فى ذلك القلب القاسى، وحيرت العقل الذى لم يفكر سوى بالسلب والقتل والانتقام.

2- طبق الانتقام يقدم باردا

كانت بلقيس هادئة، علمت أن نظرتها أشعلت النار فى قلبه، علمت أنها نالت منه تماما، وهزمته بفتنتها وجمالها بضربة قاضية فى سويداء قلبه الأسود، لذا كررت الزيارة، وفى كل مرة كان الملك يتعلق بها شغفا وحبا.. وكلما تركته طارده طيفها فتهفو نفسه إليها، وقد علم الملك علم اليقين أنه وقع فى عشقها.. وما كان يعلم عاقبة من يقع فى حب امرأة فى هذا الجمال وذلك الذكاء وتلك الحكمة، فقد قررت أن تسويه على نار هادئة، لم يكن لها غرضا فى مُلك أو مال.. بينما كان لها مأرب فى عودة الاستقرار إلى المملكة.. وأن يحل الأمن محل الخوف، وأن تطرد الطمأنينة هلعا تربع فى قلوب شعب المملكة.

وصل الملك لمرحلة أن نظرة من عين بلقيس، نظرة واحدة تشعره بالنشوة، فأراد أن يحتفظ بصاحبة هذا الجمال للأبد.. أن يتزوجها وتشاركه مُلكه وتملأ عليه قصره حبا ومودة وسرورا، وأوفد الملك وفدا من أخلص رجاله ليدعوها إلى الزواج.. فلن ينال مثل هذه المرأة إلا بالزواج، وعندما وصل الوفد الموفود إلى بلقيس.. أطمأنت تماما، لأن خطتها تسير وفقا لما حسبته ورتبته.. ووافقت على الزواج.. وشعر الملك أن بتلك الموافقة ولد من جديد.

وانتشر الخبر وعمت الأفراح مملكة سبأ، وهى المرة الأولى التى يشعر فيها الشعب بالطمأنينة، فالملك سعيد، ومادام سعيدا لن يقتل أو يعذب، أطال الله فى عمرك يا بلقيس، يا من وضعت حدا لعذابنا.. وخوف نفوسنا.

3- الليلة الأخيرة

تأهب القصر لاستقبال الزوجة ابنة الملك المحبوب الراحل، التى حركت فؤاد من اغتصب مُلك والدها، وأذهبت عقله إلى غير رجعة، وتزينت بلقيس عروس الملك، فكانت مثالا للجمال والأنوثة الطاغية، وأقيمت الاحتفالات وكان الملك سعيدا هائما فى حبها يعد الوقت عدا حتى ينفرد بعروسه الجميلة، وما إن انتهت الاحتفالات، ذهب الملك وزوجته بلقيس إلى غرفتهما.. ولأول مرة ينفرد بها الملك الذى لم يتورع فى أن يتقدم إليها ملهوفا هائما، فقابلته بابتسامة ساحرة وكأس من الخمر، لا يدرى أيهما أذهب عقله وأشعل النار فى نفسه، وكلما حاول أن يهم بها قدمت إليه كأسا جديدة.

سكر الملك تماما حتى لم يعد يقوى على الوقوف، أتاها زاحفا يرغب فى احتضانها.. تمنى أن يدخل إلى دنياها التى لطالما داعبت خياله وحركت مشاعره ورجولته، لكنه لم يكن يعلم أن بوابة الدنيا التى أراد أن يدخلها هى مجرد بوابة إلى الجحيم، فالملكة بلقيس بعد أن نالت من قواه تماما بفعل الخمر استلت خنجرا وأودعته فى صدره.. ليقع أسفل قدميها غارقا فى دمائه.. تماما مثلما كان يهوى أن يرى أعداءه أو معارضيه غارقين فى بحور دمائهم.

وجلست بلقيس إلى جواره.. وفصلت هذا الرأس اللعين عن الجسد البالى، ونادت أخلص رجالها وسلمته الرأس ليعلن فى البلاد عن مقتل الطاغية.. لكن الشعب خشى أن تكون شائعة، ولم تعم الأفراح.. بينما ذهب اليأس والخوف إلى النفوس مجددا.. فأمرة بلقيس برمى رأس الملك الملعون من فوق أسوار القصر ليتأكد شعبها من مقتله.. لتعم الأفراح.. بتربع بلقيس واسترداد عرش والدها المسلوب، والخلاص من ملك كان كالكابوس على مملكة سبأ.

4- عرش بلقيس

كان على بلقيس أن تشكر إلمما فذهبت إلى معبد «الموقاه» إله القمر، وقدمت القرابين شكرا على خلاص المملكة من ملكها الظالم واسترداداها العرش، وما فعلته فى معبد «الموقاه» إله القمر، فعلته فى معبد «ذات حميم» آلهة الشمس، فقد كانت وشعبها يعبدون الشمس والقمر والكواكب والنجوم، وظلت بلقيس تحكم شعبها سبع سنوات متصلة، فكانوا أولى قوة وبأس شديد، حتى غاب الهدهد عن مجلس نبى الله سليمان الذى قال مالى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتنى بسلطان مبين، فقال الهدهد جئتك من سبأ بنبأ يقين، إنى وجدت امرأة تملكهم ولها عرش عظيم.. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون.

فقال سيدنا سليمان سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يفعلون، ولما ألقى الكتاب على بلقيس اجتمعت بكبار مملكتها وقصت عليهم أمر الخطاب (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا على وأتونى مسلمين)، فقال كبار المملكة ومستشاروها أن مملكتهم تتمتع بالقوة والبأس الشديد وأن الأمر يرجع لك، فإن كنت تريدين حربا فنحن أهل لها.

فقالت بلقيس بحكمتها (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون، وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون، وما إن وصلت هدايا بلقيس إلى سيدنا سليمان حتى قال (ارجع إليهم فنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون).

5- علم الكتاب

قال سيدنا سليمان يا أيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين، فقا عفريت من الجن (أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنى عليه لقوى أمين) وقال آخر وهو الذى لديه علم من الكتاب (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)، فلما رآه مستقرا عنده قال (هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربى غنى كريم).

قال نبى الله نكروا لها عرشها.. ولما جاءت بلقيس سألها سيدنا سليمان.. أهكذا عرشك فقالت كأنه هو.. قيل لها ادخلى الصرح فحسبته لُجة وكشفت عن ساقيها.. فقال سليمان عليه السلام « (أنه صرح ممرد من قوارير).. فقالت ملكة سبأ : (رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين).