Advertisements

بدر الجمالى الوزير الفاطمى الذى أنقذ مصر من الأتراك

بوابة الفجر
هل سألت نفسك ذات مرة لماذا سميت الجمالية بهذا الاسم؟، هل هذه التسمية لها علاقة بالجمال كصفة، أم لأى شىء آخر، يبدو أن الإجابة قد تحتاج إلى الغوص فى كتب التاريخ، لكننا سنحاول أن نوفر عليك الوقت ونختصرها فى السطور التالية.

سميت الجمالية على اسم قائد عظيم لقب بأعظم وزراء الفاطميين، هو بدر الجمالى، والذى سميت منطقة الجمالية باسمه، تخليدا لما قام به فى مصر أثناء ولايته، وهو بدر بن عبد الله أرمنى الجنسية، أٌسر فى إحدى الغزوات، واشتراه جمال الدولة حاكم طرابلس آنذاك، والذى نسب باسمه بعد ذلك ليصبح معروفاً باسم بدر الجمالى، وتقول المصادر التاريخية إنه ولد بالقرن الخامس للهجرة، وعاش قرابة الثمانين عام وتوفى عام ٤٨٧ هجريا.

ذكره ابن خلدون فى مؤلفاته أنه منذ أصبح مملوكا ظهرت عليه كل علامات النجابة والجد والانضباط، مما جعله يترقى فى السلم الوظيفى، وكانت أول مناصبه المهمة هى الحجابة لحاكم دمشق، والحاجب هى وظيفة كانت مسئوليتها إدخال الناس على الخليفة بعد مراجعتهم خوفا على عمر الخليفة.

تولى بدر الجمالى منصب وزير للخليفة المستنصر بالله فى مصر، بعد شغل هذا المنصب من ٤٠ شخصاً قبله، منذ أن كان المستنصر صبيا عمره ٧ سنوات، وكانت أمه وصية عليه، وقررت أن تعيد منصب الوزير من جديد، حتى تأتى برجل قوى يحمى العرش معها ويحكم معها حتى يصبح ابنها شابا، ولكن جميع المصادر تثبت أن الأقوى كان بدر الجمالى، بعد أن أثبت من قبله الخيانة، ومحاولات الحصول على العرش منفردين.

 هيأت الظروف المناخ لتولى الجمالى منصبه، وكان على رأسها الصراع الذى دب فى مصر بين الأتراك الذين كانوا يريدون السيطرة على العرش والمغاربة التى أتت بهم الدولة الفاطمية لثقتها بهم، فضلا عن العبيد الذين قامت بشرائهم أم المستنصر من أجل حماية عرش ابنها، وكانت تعطف عليهم لأنهم يشبهون لها من حيث اللون على حد قول المصادر التى وصفتها بـ «السوداء»، وكان عددهم آنذاك يتخطى الـ٥٠ ألف عبد.

 ومن هنا قامت حرب دامية بين الأتراك والسود، انتهت بضحد السود،  وانتصار الأتراك، ولكن لم تأت الرياح بما تشتهى السفن لهم، فإرادة الله كانت أقوى، فانخفض منسوب نهر النيل، وحدث جفاف وانهيار لاقتصاد مصر بالكامل، حتى وصل بالمصريين الحال أن يأكلوا لحم البشر والجيف، كما فقد الأمن والأمان وكثرت السرقات وقطاع الطرق وانتشرت الأمراض والأوبئة وكثرت الوفيات.

وجاءت الطامة الكبرى عندما خلا الجو للأتراك آنذاك فأخذوا يجولون فى البلاد، فرضوا على المستنصر إخراج ما فى القصر من غال ونفيس لاستخدامه  فى حاجتهم الخاصة، واستحوذوا على كل ممتلكات الدولة حينذاك، وساهموا فى إهمال الفلاحة التى كانت هى المورد الأساسى للبلاد.

ويذكر المقريزى بعض القصص التى حدثت فى هذا الزمن بسبب ما فعله الأتراك أثناء حكم المستنصر قائلا: قالت امراة كانت لنا جارة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر فتقول، أنا ممن خطفنى أكلة الناس  فى الشدة فأخذنى إنسان وكنت ذات سمن وجسم فأدخلنى بيتا فيه سكاكين وآثار الدماء، فضجعنى على وجهى وربطنى إلى أوتاد حديد ثم شرح من أفخاذى وأنا استغيث ولا أحد يجيبنى ثم أضرم الفحم وشوى وأكل أكلا كثيرا ثم سكر حتى وقع على جبينه، واستطاعت أن تهرب بعد أن أعانها الله على ذلك، وهذا يوضح ما وصل إليه مصر وما عرف بالشدة المستنصرية.

ويذكر أيضا المقريزى أن جاء أحد وزراء المستنصر إلى قصره ببغله، فأخدها الناس وأكلوها، فأمروا بشنقهم، فاجتمع الناس على الأشخاص المشنوقين وأكلوهم، وأخذ الجميع يمشى فى الشوارع يردد جملة جوعا جوعا.

فى هذه الأحيان كان تولى بدر الجمالى ولاية عكا، فأرسل له المستنصر يطالبه بالعودة إلى مصر، ومحاربة الأتراك والقضاء على الفتن التى قاموا بها، وبعد مفاوضات بينهما، قبل الجمالى بالعودة، وعاد عن طريق البحر فى أشهر لا يركب بها البحر لشدة العواصف وجاء مع ١٠٠ مركب بها جند من الأرمن، وكان لذلك إشارة لأعدائه بقوته أنه يستطيع أن يعاند حتى العواصف وانقلابات البحر، ويحمس جيشه ويزرع فيهم قوة المواجهة، وبالفعل استطاع الجمالى عند وصوله مصر هزيمة الأتراك وقضى عليهم، وحرر المستنصر والمصريين من بطشهم.

ولكن لم يحارب المستنصر الأتراك بالسيف كما عادة الحروب فى هذا الزمن، إنما حضر لهم مكيدة، فأدخل جيشه فى الخفاء، ثم دعا الأتراك بعد إقناعهم أنه معهم ضد المستنصر ودعاهم إلى وليمة، وبعد أن أكلوا وشربوا الخمر، انقض جنوده عليهم وقبضوا عليهم واستولوا على كل ما يملكوه.

وسيطر على القاهرة سيطرة كاملة، أصبح الجميع تحت طاعته، أطلق عليه لقب السد الأجل أمير الجيوش، ويعتبر الجمالى أول وزير من العسكريين فى مصر، جمع بين عدة وظائف على رأسها قاضى القضاة وداعى الدعاة ووزير السيف والقلم وقائد الجيش.

وبعد استتباب الأمن فى القاهرة، قرر الجمالى أن ينشر الأمن والأمان فى أنحاء البلاد بالكامل واسترداد حق المصريين من قطاع الطرق، وسارقين الأراضى الذين استولوا على الأراضى الزراعية، وكانت بداية حملاته فى منطقة شرق الدلتا، وحارب أكبر القبائل هناك وهى قبيلة لواتة واسترد منها أراضى الفلاحين، ثم ذهب بحملته إلى دمياط وفعل بها ما فعله فى الدلتا، واستمرت هذه الحملات قرابة العامين فى الوجه البحرى والدلتا حتى قضى على الفساد والفاسدين.

 وبعد ذلك اتجه نحو الصعيد ليقضى على المتمردين، وبالفعل نجح فى ذلك واستعاد خزانه الدولة وملئها من جديد من أموال الفاسدين والمتمردين والطغاة، واستطاع بذلك أن يعم الأمن على مصر بأكملها.

ولم يتناس الجمالى البناء والتعمير لإرضاء سكان مصر، بعد أن هدأت الفتن، فقام ببناء عدة منشآت منها سور يحيط بالقاهرة، وبناه من الطوب اللبن وزاد بمساحة القاهرة فوق مساحتها التى كانت عليها أيام جوهر الصقلى ٦٠ فدانا على حد قول المؤرخ حسن إبراهيم حسن.

ويذكر أن باب زويلة كان عبارة عن بابين، ضمهما الجمالى ليصبحا بابا واحدا، كما نقل بابى الفتوح والنصر من مكانهما بجهة الشمال والذى كان شيدهما الصقلى إلى مكانهما الحالى، ويقال إن أبواب القاهرة مكتوب عليها اسم بدر الجمالى وأن من صنعهم هو قبطى اسمه حنا.

 كما بنى عدة مساجد على رأسهم جامع العطارين بالإسكندرية، ومسجد النصر بأسوان، وجامع المقياس، كما عمر من جديد مسجد أحمد بن طولون.