Advertisements

عقل العويط يكتب : لقد آن للرقص أنْ يتوقّف فوق الهاوية

بوابة الفجر
لمَن لا يعرف الرجل. هو نعّوم تشومسكي، مفكّرٌ أميركيٌّ طليعيّ، وباحثٌ في الألسنيّة، من مواليد العام 1928. لكنّ هذا الشيخ العجوز الذي يبلغ الثانية والتسعين، ويقيم معتزلًا في منزله في ولاية أريزونا، لا يزال متوقّد الذكاء، متوهّج الذهن، صافي الرؤية. 
تحدّث أخيرًا إلى إحدى محطّات التلفزة diem25 tv ، فكان لا بدّ من الإنصات إليه، للاسترشاد بأفكاره وآرائه وملاحظاته، وللتبصّر في أحوال الكون. فهذا العالمِ العارف المتمكّن من خفايا الأمور، يقول ما يقوله الناس العاديّون، وخلاصته أنّ ثمّة خطرًا أعظم بكثيرٍ من خطر الوباء المستجدّ الذي "يستولي" على العالم اليوم: هو خطر الرقص على حافّة الهاوية. بل فوق الهاوية.
مَن يرقص هناك، عند الحافّة، وفوق الهاوية؟ أو مَن يرقّص مَن؟
الراقص الأوّل هو دونالد ترامب، في رأي نعوم تشومسكي. فهذا الرئيس الأميركيّ، الذي يصفه المفكّر بـ"المعتّل"، يلهث راكضًا في اتّجاه كبس أزرار الحرب النوويّة، بالتزامن مع رعبٍ وجوديّ ثانٍ، يتمثّل في خطر الاحتباس الحراريّ، وبالتوازي مع رعبٍ ثالثٍ، كونيٍّ ووجوديٍّ هو الآخر، يتمثّل في انهيار الديموقراطيّات، وإبادتها، ومواراتها، حيث المقصود الانتهاء من النظام العالميّ القائم مبدئيًّا على أسس الديموقراطيّة، بهدف استيلاد نظامٍ جديدٍ غير محدّد المعالم، لكنّه سيكون نظامًا قائمًا على هلوسة الرعب والكارثة.
هذا المعتلّ - المهرّج يقود العالم كلّه، بما فيه أوروبا، ويتنافس مع الصين، وسواهما، جارًّا الجميع إلى الرقص فوق الهاوية، مستفيدًا من كونه الرجل الأوّل الذي يقود الدولة العظمى الأولى، ناشرًا ثقافة الكراهة والحقد والعنف والانتقام والابتزاز والسرقة الرسميّة والرعب في أنحاء الكرة الأرضيّة.
أوروبا، التي يُفترَض أنْ تكون "ضمير" العالم الديموقراطيّ، تنساق كالنعجة وراء راعيها المعتلّ – المهرّج الأرعن، متخلّيةً عن روحها، مضحّيةً بمبادئها وقيمها ومعاييرها - عجزًا أو بالرضا – لتلتحق بهتلر العصر الجديد.
هذا ما يراه نعوم تشومسكي.
ولكي نفهم تمامًا ما يقصده هذا الرجل، يدعو إلى تسليط الضوء على المترتّبات الموضوعيّة الناجمة عن أحوال الطوارئ وإجراءات العزل والحجر والوقاية ومنع التجوّل وغلق الحدود، وخصوصًا ما ينعكس منها على الحقوق الأساسيّة للبشر، بحيث تتعرّض هذه الحقوق، الفرديّة والجماعيّة، تحت ذريعة الوباء المستجدّ، إلى انتهاكاتٍ قد لا يكون ثمّة مكانٌ، أو احتمالٌ، للعودة عن مفاعيلها الدراماتيكيّة والكارثيّة الواقعيّة، هنا، في المنطقة العربيّة، في الشرق الأوسط، في آسيا، في أفريقيا، في أوروبا، وفي أميركا على السواء.
ينتظر العالمَ الكثيرُ الكثيرُ من هذا، يقول نعّوم تشومسكي. ستنهار الديموقراطيّة. ستنهار الأسواق. سينهار النظام الاقتصاديّ. وإذا كانت أميركا - ترامب قادرة على استيعاب هذه الانهيارات المأسويّة، فأيّ مصيرٍ ستواجهه الشعوب والدول والأنظمة التي لا تملك أنْ تصنّع إبرةً ولا خيطًا في كنزة العالم؟!
تعطيل الحياة العامّة. تعطيل الحيّز العامّ. تعطيل قوّة الضغط. تعطيل الاعتراض. تعطيل الرأي. تعطيل العقل. تعطيل الفكر. تعطيل الحرّيّة. هذا ما قد يكون يرتسم في الأفق المقبل.
هذا الوباء المستجدّ، هو، في نظر تشومسكي، بعضٌ قليلٌ من الوباء الأعظم الذي ينتظر العالم.
يدعونا نعوم تشومسكي في غمرة هذا المشهد الكابوسيّ، يدعونا إلى استعادة مصطلح الأنسنة، وعدم السماح لرقصة الجنون بأنْ تستمرّ على حافّة الهاوية، مناديًا - بصراخٍ مدوٍّ – بشنّ "حربٍ مضادّةٍ" للحرب اللاأخلاقيّة القائمة.
لا سبيل لوقف الرقص فوق الهاوية، إلّا بالتضامن الإنساني، على أرض الحقّ والعدل، لمواجهة النظام الكونيّ الذي سيتمخّض عنه الواقع المستجدّ.
لقد آن للرقص فوق الهاوية أنْ يتوقّف!