Advertisements

حسن إسميك يكتب: كورونا إذ يصبح وحشا سياسيا

حسن إسميك
حسن إسميك
في ديسمبر 2019 بدأت وكالات الأنباء في أنحاء العالم بنشر تقارير عن فيروس غامض قادم من الصين. وأفادت التقارير بأن فيروس كورونا ("الفيروس التاجي") قد نشأ في واحد من أشهر أسواق الحيوانات الحية في البلاد.

وغيرت الصين بمفردها من خلال الإعلان المفاجئ عن إجراءات الحجر الصحي الصارمة التي تم تنفيذها في وقت واحد في جميع أنحاء البلاد ، طبيعة التفشي والاستجابة العالمية. وفي حين ظن باقي العالم بداية بأننا نشهد تكرارا لتفشي السارس في عام 2003، والذي أصاب 8,000 شخصا وتسجيل 800 حالة وفاة في جميع أنحاء آسيا، استيقظ العالم في 22 يناير على الأخبار بأنه وبين عشية وضحاها دخلت كل من ووهان وهوبي وبكين والغالبية العظمى من البلاد في الحجر الصحي وإيقاف جميع الأنشطة الاقتصادية ، وتوقف الإنتاج وإغلاق أسواق الأسهم. ومع ذلك ، حتى ذلك الحين ، لا أعتقد أن أحدا أدرك المدى الحقيقي لما سيأتي.

للأسف، كان الأوان قد فات وانتشر الفيروس الذي ترك بحرية لأكثر من شهرين ليصل إلى جميع أركان المعمورة. ففي غضون ذلك بدأت الحالات بالظهور بمعدلات طردية في جميع أنحاء آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا.

وسرعان ما حذت الدول الأخرى حذو الصين ، حيث أُغلقت دول مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا بالكامل مع فرض عقوبات قانونية ومالية صارمة على أولئك الذين يخالفون القانون. ومع ذلك ، لم تكن الاستجابة للفيروس واحدة في كل مكان فقد اختارت دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة اتباع نهج مختلفة للغاية، واختيار تأخير إجراءات الإغلاق لأطول فترة ممكنة ، على الرغم من أننا نرى الآن أنه لا مفر منها.

وانتشر في خضم حالات الفوضى والهلع والقلق مرض واحد أسرع من انتشار الفيروس نفسه، وسواء اعترفنا بذلك أم لا، هذا المرض أصابنا جميعنا إنه الخوف؛الخوف مما سيحدث للمرء إذا مرض والخوف من العجز والعزلة ومن المجهول. ولي أن استشهد بمقولة جون ألين باولوس "إن عدم اليقين هو اليقين الوحيد". في الوقت الذي يتعاضد فيه العالم تظهر لنا وسائل الإعلام بدلا من ذلك كيف أن كل شخص يفكر بنفسه فقط، حيث يقوم المتسوقون بتخزين الإمدادات كما لو كانوا يستعدون لنهاية العالم (هرمجدون). وهذا الخوف هو من خلق عاصفة كاملة من المعلومات الخاطئة التي تصاعدت لتصبح الأداة الأكثر قيمة في محاولة تحقيق أكبر انقلاب في كل العصور

تحول هذا الفيروس بسرعة مشابهة لسرعة الصوت التي انتشر بها من مشكلة صحية إلى وحش سياسي. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال؛ يوضح رفض ترامب المتكرر تسمية الفيروس باسمه ، مشيرًا إليه على أنه "الفيروس الصيني" مدى عمق السياسة التي تغلغلت في هذه الأزمة العالمية.

فكان خطاب ترامب جنبا إلى جنب أولئك الذين انضموا إليه في اتهام عادات الصينين بالتسبب في الفيروس بمثابة الدليل القاطع الذي يحتاجه الرئيس الصيني لحشد البلاد خلفه. فمنحه رهاب الأجانب هذا منصة مثالية للقضاء على المد المتزايد بين النخب المتحضرة التي تنظر إلى الغرب بعين الاعجاب وربما الحسد؛حيث استخدم هذه الاتهامات بذكاء، وتلاعب في معناها ليثبت للشعب الصيني (الذي جلس لإلقاء المحاضرات عليه) ما يفكر فيه بقية العالم بهم ،وكيف تركهم لإنقاذ أنفسهم دون أي مساعدة بل و أساء معاملتهم.

وينطبق نفس الشيء على إيران؛ وهي دولة أخرى تضررت بشدة من فيروس كورونا. وقد أعاقت العقوبات الأمريكية قدرة الحكومة على الاستجابة لتفشي المرض في طهران بشدة. لقد سقطت الدعوات لتخفيف العقوبات على آذان صماء ، مما جعل الشعب الإيراني يشعر وكأنهم غرباء يراقبون العالم وهو يتحد في مواجهة تفشي المرض في أوروبا.

كل هذا يتضاءل بالمقارنة مع ما رأيناه في الولايات المتحدة. فقد أصبحت الولايات المتحدة في وقت كتابة هذا التقرير المركز العالمي لـ كوفيد -19 ،مع تحذيرات من المسؤولين بتوقع أكثر من 240,000 حالة وفاة. وغني عن القول أن تعامل الرئيس ترامب مع الأزمة أدى إلى نقاش حاد ؛ حيث اغتنم الديمقراطيون ووسائل الإعلام اليسارية الليبرالية الفرصة لانتقاد خطة عمل البيت الأبيض.

فقد أوصلت وسائل الإعلام رسالة مفادها بأن الرئيس ترامب قد تجاهل التحذيرات المبكرة بأن الصين قللت عمدا من الحجم الحقيقي للوباء، إلا أن ما عجزت وسائل

الإعلام عن سؤاله هو لماذا كان يجازف بمثل هذا الخطر الكبير قبل أشهر من الانتخابات؟ وأتوقع أن تكون الإجابة بسيطة وهي :أنهم رفضوا تصديق وجهة نظره التي تعتبر كورونا ما هو إلا فيروس يحمل الجنسية الصينية أو "الفيروس الصيني"،ما يشي باتهامه للصين في نشر هذا الفيروس!

وأشيد هنا بجهود الصين وطاقمها المتنوع في محاولة تغيير الوضع الراهن؛ فالصين التي تتهم أمريكا باختراع فيروس الكورونا ونشره في مدينة ووهان، نجحت في إحتواء الفيروس من خلال إجراءات صارمة فاقت ما هو معمول به في بعض دول العالم التي اصيبت بنفس الوباء؛ حيث أعجب العالم بسياسية الاغلاق الكامل –في الصين- و اتضح أن لها فوائد ايجابية قللت من نسبة انتشار الفايروس بنسبة كبيرة ،وبدأت الدول تطبق نفس سياسية الإغلاق و الحظر التي اتبعت في الصين رغم كل ما قيل عنها من اتهامات، تتمثل في أنها هي-أي الصين- من نشرت الفايروس في العالم؛لكي تثبت بأنها قادرة على رد أي عدوان مستقبلي، أو أنها قوة لايستهان بها في العالم وزمنها قادم لا محالة.

ولقد خلق الفيروس التاجي عاصفة مثالية من الأحداث لإقامة تحالف فوضوي بين أوروبا والصين وإيران والديمقراطيين بهدف إسقاط عدوهم المشترك ، الرئيس ترامب. وتمكنوا من خلال تنسيق استجاباتهم السياسية القاسية على انتشار الفيروس ، من خلال نشر معلومات غير دقيقة حول المدى الحقيقي لتفشي المرض، متناسين أن فيروس الأنفلونزا الشتوية يقتل عددًا أكبر من الأشخاص المصابين بفيروس كورونا ، بل ان معدل الوفيات ليس أعلى مما هو طبيعي في مثل هذا الوقت من السنة، وسنلاحظ ذلك عندما نرى انخفاضًا مفاجئًا في عدد الإصابات والوفيات كلما اقتربنا من أشهر الصيف.

أعتقد أننا سنشهد على مدى السنوات الأربع المقبلة معارك سياسية واقتصادية وربما عسكرية تكنلوجية طاحنة بعد أن يكتشف العالم الدوافع وراء كوفيد - 19 ؛ وبالذات اذا نجح ترامب بالوصول الى البيت الأبيض من جديد.وسوف تؤدي التداعيات الاقتصادية والسياسية للفيروس إلى انكماش الاقتصاد الصيني والامريكي بينما تبحث الشركات عن مكان آخر، و ستهتز منطقة اليورو؛ مما قد يؤدي لاحقًا إلى تفكك الاتحاد الأوروبي بسبب الخلافات التي تفجرت على أثر تفشّي الفايروس في القارة العجوز . وأخيرًا سيتم الضغط على إيران لتتخلى تماما عن برنامجها النووي.وقد يستفيد العرب من انشغال الكبار ليبدأوا في تطوير وتحديث بلدانهم.

وانا اكتب هذا المقال، قرأت تقريراً صادراً عن مركز أبحاث بريطاني يطالب الصين بتعويضات عن الخسائر التي مني بها العالم نتاج هذا الفيروس الذي خرج من عندها،وهذه أيضا معركة قانونية واقتصادية كبيرة ربما تريد منها-ان كانت جادة- بعض دول الغرب مصادرة الاستثمارات والأموال الصينية في أوروبا وأمريكا.

اختم مقالي هذا بأمر مهم وهو : ان كل ما يكتب حول هذا الموضوع ما هو إلا تحليلات وفرضيات،بينما الحقيقة ستتكشف لنا اكثر خلال الأشهر أو السنوات القادمة.

والمهم عندي،سواء أكان فايروس كورونا حقيقي أو مُصنِّع فإنه قد أشاع الرعب في كافة أنحاء الأرض؛ لذلك على الناس أن يدركوا أن ساسة العالم الكبار هم –الآن- في تخبط كبير؛لأنهم ساهموا في تحويل أزمة انتشار الوباء إلى لعبة جيوسياسية خطرة قد تهدد العالم أجمع وتزج به في أتون صراعات تهدد الوجود البشري برمته.

حسن إسميك رئيس مجلس أمناء مركز إستراتيجكس للدراسات والأبحاث