تفسير الشعراوي لقوله تعالى: {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين} الآية 53 من سورة التوبة

إسلاميات

الشيخ محمد متولي
الشيخ محمد متولي الشعراوي


تفسير سورة التوبة للشيخ محمد متولي الشعراوي

تفسير الشعراوي للآية 53 من سورة التوبة

{قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ(53)}

إذن: فشرط تقبُّل الله لأي عمل إنما يأتي بعد الإيمان بالله، أما أن تعمل وليس في بالك الله، فخذ أجرك ممن كان في بالك وأنت تعمل.

لذلك ضرب الله مثلاً بأعمال الذين كفروا في قوله تعالى: {والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب} [النور: 39].

ويعطينا الله سبحانه مثلاً آخر في قوله تعالى: {مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ ذلك هُوَ الضلال البعيد} [إبراهيم: 18].

ويقول الحق سبحانه وتعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20].

وهذا ما يشرح لنا ما استغلق على بعض العلماء فهمه في قول الحق: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7-8].

فقد تساءل بعض من العلماء: أيجزي الحق سبحانه هؤلاء الكفار في الآخرة أم في الدنيا؟ وقد استغلق عليهم الأمر لأن الآية عامة. ونقول: إن الحق يعطي في الدنيا الجزاء لمن عمل للدنيا، ويعطي في الآخرة لمن عمل للدنيا والآخرة وفي قلبه الله. ولذلك فالذين يحسنون اتخاذ الأسباب المخلوقة لله بمنح الربوبية ينجحون في حياتهم. والذين يتقدمون دنيوياً في زراعة الأرض وانتقاء البذور والعناية بما يعطيهم الله جزاء عملهم في الدنيا، ولا يبخس منه شيئاً؛ ولكن الحق سبحانه يقول أيضاً: {وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} [الفرقان: 23].

هذا القول يوضح عطاء الآخرة، ولذلك فالخير الذي يعمله غير المؤمن لا يُجزى عليه في الآخرة؛ لأنه عَمِلَ وليس في باله الله، فكيف ينتظر جزاءه ممن لم يؤمن به؟

إن الله سبحانه يجزي مَنْ آمن به وعمل من أجله. ولكن من كفر بالله حبط كل عمله. وهذا أمر طبيعي؛ لأنك ما دُمْتَ قد عملت الخير وليس في بالك الله، فلا تنتظر جزاءً منه. إن عملتَ للإنسانية أعطتْك الإنسانية، وإن عملتَ للمجتمع أعطاك المجتمع وصنعوا لك التماثيل وأطلقوا اسمك على الميادين والشوارع، وأقيمت باسمك المؤسسات، وتحقق لك الخلود في الدنيا، وهذا هو جزاؤك. ولكن إن كنت مؤمناً بالله، راجياً ثوابه تجيء يوم القيامة لتجد يد الله ممدودة لك بالخير الذي قدمته.

والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} والطَّوْع: هو الفعل الذي تُقبل عليه بإرادتك دون أن تكون مكرهاً، فكيف لا تجازى على خير فعلته بإرادتك؟

ولا بد لنا أن نفرق بين (طوع) و(طائع)، وكذلك نفرق بين هذا وبين الفعل الذي تقوم به حين يحملك غيرك ويُكرهك أن تفعله.

والأفعال كلها إما أن تكون بالطواعية وبالإرادة، وإما أن تكون بالإكراه. ولو كان الحق قد قال: أنفقوا، طاعة لما قال: {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ}؛ لأن الطاعة معناها انصياع عابد لإرادة معبود، ولكن قوله هنا: {طَوْعاً} يكشف أن ما ينفقونه هو أمر اختياري من عندهم. وكانت أحوال المنافقين كذلك، فمنهم من قدم أولاده للجهاد، ومنهم من قدم بعضاً من ماله، وكانوا يفعلون ذلك طائعين لأنفسهم ويستترون بمثل هذه الأفعال حتى لا يفتضح نفاقهم، وكان الواحد يتقدم إلى الصف الأول من صفوف الصلاة في المسجد، ويفعل ذلك طوْعَ إرادته، خوفاً من افتضاح نفاقه لا طاعة لله، فطاعة الله هي طاعة عابد لمعبود، أما مثل تلك الأفعال حين تنبع من طوع النفس فهي للمظهر وليست للعبادة.

{قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} هل هذا أمر بالإنفاق؟ أو هل يريد منهم أن ينفقوا فعلاً، خاصة أنه سبحانه لن يتقبل منهم؟ لا ليس هذا أمراً بالإنفاق بل هو تهديد ووعيد. مثلما تقول لإنسان: اصبر، فذلك ليس أمراً بالصبر ولكن تهديد بمعنى: اصبر فَستَرى مني هولاً كثيراً. وهذا مثل قوله تعالى: {فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ..} [الطور: 16].

وقوله تعالى: {اعملوا مَا شِئْتُمْ..} [فصلت: 40].

أي: أنكم إن صبرتم أو لم تصبروا فإن ذلك لن يغير شيئاً من الجزاء الذي سوف تلاقونه، فالأمر سواء. ولو كان قوله تعالى: {اعملوا مَا شِئْتُمْ} أمراً؛ لكان كل من عمل معصية داخلاً في الطاعة؛ لأن الله أمره أن يفعل ما يشاء. ولكن هذا أمر تمهيدي، أي: افعلوا ما شئتم فأنتم عائدون إلى الله وسيحاسبكم على ما عملتموه. ولن تستطيعوا الفرار من الله سبحانه.

وقوله تعالى: {أَنفِقُواْ} هو- إذن- أمر تمهيدي؛ لأنه لن يجديكم أن تنفقوا طوعاً أو كرهاً.

وكلمة {كَرْهاً} وردت في القرآن الكريم في أكثر من سورة، فهي في سورة آل عمران، وفي سورة النساء، وفي سورة التوبة، وفي سورة الأحقاف، وفي سورة الرعد، وفي سورة فصلت، قد ذكرت {كَرْهاً} بفتح الكاف وقرأها بعضهم بضم الكاف. وقال البعض: إن (كَرْهاً) بفتح الكاف و(كُرْهاً) بضم الكاف بمعنى واحد. نقول لهم: لا، إن المعنى ليس واحداً، فمثلاً قول الحق سبحانه وتعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً...} [الأحقاف: 15].

فالكُره هنا ليس للحمل ولا للوضع، ولكن للمشقة التي تعانيها الحامل أثناء حملها وعند الولادة. فلم يكرهها أحد على هذا الحمل. ولكن البعض يقول: إن الحمل يحدث وليس للمرأة علاج في أن تحمل ولا أن تضع، فلا توجد امرأة تقول لنفسها: (سوف أحمل الليلة)؛ لأن الحمل يحدث دون أن تَعيَ هي حدوثه، فالحمل يحدث باللقاء بين الرجل والمرأة. والمرأة لا تستطيع أن تختار ساعة الحمل ولا أن تختار ساعة الولادة، ولا تستطيع أن تقول: سألد اليوم أو لن ألد اليوم.

فكل هذا يحدث إكراهاً بغير اختيار منها. ولذلك نقول لمن يقولون أن (كَرْهاً) بفتح الكاف و(كَرْهاً) بضم الكاف بمعنى واحد: لا؛ لأن (الكُرْه) بضم الكاف هو ما لا يريده الإنسان لأن فيه مشقة، و(الكَره) بفتح الكاف هو ما فيه إكراه من الغير. إذن ف (كَرْهاً) بفتح الكاف تختلف في معناها عن (كُرْهًا) بضم الكاف.

الحق سبحانه وتعالى يقول: {قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} أي: لن يقبل الله منكم ما تنفقونه. ولكن ما الفرق؟ لقد كان المنافقون يدفعون الزكاة ويقبلها الرسول منه ولم يرفضها أدباً منه صلى الله عليه وسلم، فكل عمل يؤدى ثم يذهب إلى الرقيب الأعلى وهو الحق سبحانه وتعالى. ولكن حدث أن واحداً من هؤلاء هو ثعبلة طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بالغنى، فلما دعا له ورزقه الله الرزق الوفير بَخِل عن الزكاة، وحاول أن يتهرب من دفعها؛ فنزل القول الكريم: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [التوبة: 75-77].

وعندما نزلت هذه الآيات جاء ثعلبة ليدفع الزكاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها منه. وعندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ثعلبة إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبل منه الزكاة. وبعد أبي جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يقبلها منه. ومات ثعبلة في عهد عثمان. هذا هو عدم القبول.
ولكن هناك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من دفع الزكاة من المنافقين وقُبلَتْ منه، ولكن الله لم يتقبلها منه. إذن: فكل عمل قد يُقبل من فاعله، ولكن الله سبحانه وتعالى قد يتقبله أو قد لا يتقبله. إذن فالآية معناها: أنه الله لن يتقبل من هؤلاء المنافقين إنفاقهم في الخير ولو تقبله البشر.

ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى السبب في ذلك فيقول: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} وكما قلنا: إن كلمة الفاسق مأخوذة من (فسقت الرُّطَبَة) أي انفصلت القشرة عن الثمرة. وقشرة البلح مخلوقة لتحفظ الثمر. وعلمنا أن المعاني في التكليف الشرعي قد أُخذت من الأمور الحسّية؛ ولهذا تجد أن الدين سياج يمنع الإنسان من أن يخرج على حدود الله ويحفظه من المعصية، والإنسان حين ينفصل عن الدين إنما يصبح كالثمرة التي انفصلت عن سياجها.
فالذي يشرب الخمر أو يرتكب الجرائم أو الزنا يُعاقب على معصيته، أما إن كان الإنسان منافقاً بعيداً عن الإيمان بالله فطاعته لا تقبل. وهَبْ أن الإنسان مؤمن بالله ولكنه ضعيف أمام معصية ما، هنا نقول: لا شيء يجور على شيء، إن له ثوابَ إيمانه وعليه عقاب معصيته.

إذن: فالفسق في هذه الآية الكريمة ليس هو الخروج عن مطلق الطاعة. ولكنه فسق من نوع خاص؛ لأن هناك فسقاً محدوداً وهو أن يخرج الإنسان عن مجرد تكليف. ولكن الفسق الكبير هو أن يكفر الإنسان بالله. ولذلك جاءت الآية الكريمة التالية {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ..}.

تفسير سورة التوبة للشيخ محمد متولي الشعراوي

تفسير الشعراوي للآية 53 من سورة التوبة