Advertisements

مهرجانات داعش

إرهابيون
إرهابيون
"مسيلي على البغدادي" و"جنود الدولة مولعينها فى كل مكان".. كلمات أول أغنية مهرجانات داعشية

نوعية خاصة جداً من المهرجانات الشعبية، بالتأكيد لن تقع هى الأخرى، تحت سلطة الإجراءات الأخيرة للفنان هانى شاكر نقيب الموسيقيين، فى معركته ضد مطربى هذا النمط من الأغانى واسعة الانتشار، كما لن تطالها قراراته، هذه المرة، بالحظر أو المنع.

فأغنية مهرجانات «مففخة» يقول مطلعها «مسيلى ع البغدادى.. الكل عليه بينادى» أو «جهزلى البيعة للخليفة وهنسيطر ع العالم .. ده جنود الدولة مولعينها فى كل مكان فى العالم» بالتأكيد لن يحتاج صناعها إلى تصاريح نقابية، أو يلتفتوا إلى إجراءات قانونية، وإنما تدخل فى سياق معركة أكبر بكثير، يخوضها العالم بأكمله ضد تنظيم داعش، وإنتاجه الدعائى.

فالتنظيم الذى احترف امتلاك أدوات العصر الدعائية والإلكترونية، وأطلق فيديوهات بمشاهد ذبح وحرق، نافست، إنتاج أكبر ستديوهات هوليوود وأكثرها تقنية وإثارة للإبهار، كما لم يترك سلاحاً للتأثير والانتشار دونما استغلاله والاستفادة منه، لم يفت أيضاً أعضاؤه أو المنتمين له، ولو بشكل غير تنظيمى، استثمار الانتشار الواسع لأغانى المهرجانات، أحدث أشكال الغناء الشعبى فى مصر وأكثرها إشكالية وإثارة للجدل.

وذلك بعد أن كان داعش قد امتلك بالفعل إنتاجاً ضخما من الأناشيد التقليدية ذائعة الصيت كـ«صليل الصوارم» و«قريباً قريباً» وغيرها، بما فى ذلك أناشيد الصراع مع التنظيمات الأخرى كنشيد «جبهة الخسرة» ضد تنظيم جبهة النصرة، بعد أن أطلقت القاعدة ضده نشيد «يا دولة السفهاء».

نزل داعش، ولو بشكل غير رسمى، إلى ساحة أغانى المهرجانات، وقرر المنافسة على طريقته، فأطلقت إحدى الفرق المتطرفة على موقع يوتيوب عام 2015، أغنيتها «الدولجية»، بكلمات تتطابق فى محتواها مع منهجية داعش فى كافة إصداراته المرئية والصوتية السابقة، من حيث التفزيع والترويع، والوصول إلى أكبر مدى ممكن من العنف فى التعبيرات والمشاهد المستخدمة، وبلهجة مصرية مهاجمة: «فى كل مكان تلاقينا موصل ورقة وسينا».. «آخرك تشتمنا ومستحيل لا تجيبنا ولا تودينا».. «مسيلى ع الدولجية رجالة مية مية.. التفجيرات والقناصات والآلى والبندقية».. «زود لنا عبوات وادينى كاتم أصوات، رجالة الدولة مسيطرين حتى ع المهرجانات».

الأغنية التى تضمنت تحريضاً صريحاً على مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء، أعقبتها تعليقات ساخرة على موقع ساوند كلاود وقتها على شاكلة «شارع الهرم هيقلب دولة إسلامية» أو «هو ده الجهاد الوسطى الجميل» و»هذا هو جهاد الواحدة ونص»، كما كانت هناك فى المقابل تعليقات أخرى على النقيض تحذر صناع الأغنية من أن «استخدام الموسيقى حرام شرعاً».

غير أن بعض مطربى المهرجانات العادية، قرروا على ما يبدو ألا يتركوا ساحتهم لداعش، يصول ويجول فيها بمفرده، دون النزول والتصدى لمواجهته، وعلى ذلك أصدرت فرقة «ربع مشكل» فى أعقاب نشر التنظيم فيديو ذبح الأقباط المصريين فى ليبيا، مهرجاناً بعنوان «إنتوا مين؟!» تقول كلماتها «دعشاوى عامل حاوى..عند سبع فتاوى.. واحدة جلد.. واحدة دبح.. واحدة زارع قنابل.. واحدة سارق.. واحدة ناهب .. واحدة تمويل من الخارج» و«خدنا القرار واضح صريح .. اللى ييجى على بلدى يضيع».

وذلك بعد أن أصبح «صليل الصوارم» فخر «الأناشيد الداعشية» وأكثرها شهرة، بكلماته الدموية «صليل الصوارم نشيد الأباة.. ودرب القتال طريق الحياة.. بين اقتحام يبيد الطغاة.. وكاتم صوت جميل صداه»، تريند عالمى للسخرية من داعش، حيث حوله الشباب المصرى إلى احتفالية للرقص على أنغام المهرجانات، فى الأفراح الشعبية، ثم قاموا بتركيبه على المقاطع الضاحكة والراقصة فى أشهر الأفلام الكوميدية المصرية، وأبرز نجومها بداية من عادل إمام ومحمود عبد العزيز ومحمد هنيدى و محمد سعد وأحمد مكى ..إلخ»، وصولاً إلى الراقصة صوفينار، التى جعلها شباب السوشيال ميديا ترقص على ريميكس «صليل الصوارم» الجديد، فى التريند المصرى.

إضافة إلى الفنان الشعبى الراحل شعبان عبد الرحيم الذى قرر هو الآخر الاشتراك فى معركة التصدى لداعش ومهرجاناته على طريقته الخاصة، بأغنية «أمير المجرمين» وعلى نفس اللحن الثابت الشهير لأغانيه «إييييييييييه»، فخاطب «شعبولا» خليفة داعش، قائلاً «يا أبو بكر يا بغدادى يا أمير المجرمين .. شكلك غشيم وفاضى ومعاك حبة مجانين».

وبالتالى يكون الاشتباك بين ظاهرة «المهرجانات» الشعبية المصرية وبين تنظيم داعش الإرهابى، قد أدى لإفراز ثلاثة أنماط من الأغانى، أولها أغانى الدعاية للتنظيم نفسه، وكذلك أغانى المهرجانات المضادة للتنظيم، أوالأغانى المصممة خصيصاً للسخرية منه.

فى نفس الوقت فإن محاولة داعش استثمار أغانى المهرجانات، ليس إلا محاكاة لما سبقته إليه التنظيمات الإسلامية وفرق الإخوان فى العقود الماضية، من سرقة ألحان الأغانى الأكثر رواجاً وتأليف أغانى أخرى على إيقاعها، خاصة فى حقبة الثمانينيات والتسعينيات، بداية من أغنية على حميدة «لولاكى» التى تحولت كلماتها إلى «لا الشرق ينفع لا لا .. ولا الغرب ينفع لا لا» .. كذلك أغنية عمرو دياب «من كام سنة وأنا ميال ميال» التى تحولت إلى «من كام سنة وأنا إخوان إخوان».

وصولاً إلى أغانى عايدة الشاعر وليلى نظمى التى تحولت إلى أغانى تنظيمية بامتياز بعد تغيير كلماتها، فأصبحت «كايدة العزال أنا من يومى».. «بنت الإخوان أنا من يومى» وكذلك «حماتى يا نينة دلوعة عليا» التى أصبحت بقدرة قادر «حماتى يانينة مؤمنة وتقية»!

وهو نفس ما لجأ إليه الإخوان بعد 30 يونيو 2013، من إنتاج أغانى المهرجانات والراب، وكذلك سرقة ألحان الأغانى الجماهيرية كأغنية حسين الجاسمى «بشرة خير» ووضع كلمات مغايرة على لحنها، للهجوم على الدولة والنظام.

طالما كانت السرقة الفنية واستغلال النجاح والانتشار، سمة دائمة إذن فى أوساط الإسلاميين فى هذا المجال، فلا أشهر لديهم من نشيد «لبيك إسلام البطولة كلنا نفدى الحما.. لبيك ولنجعل جماجمهم لعزك سلما» وهى فى الأصل «لبيك ياعلم العروبة كلنا نفدى الحما»، وهى أغنية من كلمات وغناء المطرب اللبنانى محمد سلمان، وتم إنتاجها فى القاهرة إبان العدوان الثلاثى على مصر 1956، وهو نفس ما حدث مع الأغنية الفلسطينية الشهيرة «موطنى .. موطنى» الذى حولها الإسلاميون إلى «أمتى .. أمتى». وكما لم يخطر ببال شاعرمثل محمود درويش أن تتحول قصيدته الشهيرة «يحكون فى بلادى» إلى أحد إصدارات تنظيم القاعدة وبصوت منشد «الصوارم» فيما بعد «أبوهاجر الحضرمى»، بعد تشويه وإضافة أبيات أخرى إليها، لم يتصور أيضا نزار قبانى أن تتحول قصيدته «رفيق صلاح الدين هل لك عودة؟» التى كتبها فى رثاء الرئيس جمال عبد الناصر، إلى قصيدة إسلامية بعنوان «أيا عمر الفاروق هل لك عودة؟»، أو تتحول الموشحات الأندلسية بصوت فيروز «يا زمان الوصل بالأندلس» إلى «خندقى قبرى.. وقبرى خندقى».