مي سمير تكتب: آفة الشعوب "النسيان"

مقالات الرأي



الإجهاد والقلق وقلة اللحوم والكسل أبرز أسباب فقدان الذاكرة المؤقت

أبحاث علمية تؤكد أهمية التأمل وممارسة الرياضة للتمتع بذاكرة قوية

أدوية القلق ومضادات الاكتئاب تصيب الدماغ بالكسل


هل جربت أن تقضى ساعات وأنت تقلب منزلك رأساً على عقب للعثور على المفاتيح الخاصة بك، أو أن تفقد القدرة على تذكر اسم مدرس ابنك، أو نسيان موعد زيارة الطبيب بشكل متكرر.

إذا كانت هذه الأمور مألوفة لك؟ فلا تخشى شيئاً، لأن هذه الأعراض لا تعنى أنك تعانى المراحل الأولى من مرض الزهايمر، لأن النسيان ليس عارضاً خطيراً كما يؤكد الدكتور ماجد فتوحى، مؤسس وكبير المسئولين الطبيين فى مركز العلوم العقلية «توسيع العصبية» فى لوترفيل فى الولايات المتحدة ومؤلف مشارك لكتاب «علاج الذاكرة».

هناك العديد من الأسباب التى يترتب عليها النسيان بداية من قلة النوم وتناول أنواع بعينها من الأدوية مستويات معينة من الإجهاد وجميعها يؤثر على الذاكرة.

يقول الدكتور فتوحى : «لحسن الحظ، فإن العقل مرن، وهذا يعنى أنه يتغير ويتحسن ويمكنه تعزيز الذاكرة من خلال تدخلات بسيطة».

على صفحات مجلة «تايم» فى عدد خاص لها بعنوان «علوم الذاكرة» تم استعراض مجموعة من الأسباب غير المتوقعة التى تؤدى إلى النسيان.

اختلال وظائف الغدة الدرقية

عندما تصاب الغدة الدرقية بالخلل، قد تشعر بالبرد الشديد أو العكس، والقلق، والاكتئاب، وقد تصاب الذاكرة ببعض التراجع.

ويقول الدكتور فتوحي: «رغم أن الغدة الدرقية ليس لها دور محدد فى الدماغ، فإن فقدان الذاكرة هو الشيء الوحيد الذى يلاحظه الشخص عندما تتوقف عن العمل بشكل طبيعى».

تقع الغدة على شكل فراشة على طول مقدمة القصبة الهوائية، وتسيطر على جميع عمليات التمثيل الغذائى فى الجسم تقريباً، والأشخاص الذين لديهم مستويات مرتفعة أو منخفضة من الغدة الدرقية - وهى شائعة جدا عند النساء - قد يجدون صعوبة فى الذاكرة والتركيز.

وبالتالى فإن معالجة قضية النسيان يمكن حلها من خلال اختبار بسيط لإفراز الغدة لتحديد ما إذا كان خلل الغدة هو السبب وراء مشاكل الذاكرة الخاصة بك.

الحرارة تبدد المعلومات

فى كل مرة تشعر بالحرارة قد تسيطر عليك رغبة فى الجلوس أمام التكييف أو اقتحام الثلاجة والبقاء فى داخلها، ولكن تلك الحرارة المفاجئة قد تلعب دوراً سلبياً يخص ذاكرتك.

يقول الدكتور فتوحى: «كلما زادت الهبات الساخنة التى تعانى منها المرأة أثناء مرحلة سن اليأس، تقل قدرتها على تذكر الأسماء والقصص، ولكن لحسن الحظ، لا تؤذى هذه الهبات الساخنة الدماغ بأى شكل من الأشكال وبمرور الوقت تتحسن الذاكرة.. والأعراض الأخرى المرتبطة بمرحلة سن اليأس تسهم فى فقدان الذاكرة، بما فى ذلك الأرق وتوقف التنفس أثناء النوم».

السهر يبدد مخزونك من المعلومات

قد يسفر السهر لوقت متأخر فى الليل عن عدم تذكر اسم زميلك فى العمل فى اليوم التالى، وفى هذا الصدد يقول ألن توفيج، المدير الطبى لمركز الأعصاب والنوم فى نيويورك: «بينما يأخذ جزء من المخ قيلولة عندما ننام، فإن المناطق الأعمق المرتبطة بالذاكرة والاستجابة العاطفية تصبح أكثر نشاطاً بشكل نسبى.. والأفراد المحرومون من النوم أو يعانون من اضطراباته لا يعانون فقط من ضعف الذاكرة ولكن أيضاً من التعب أثناء النهار وضعف الانتباه وقلة وقت التفاعل».

ولا تصلح التوصية الشهيرة بضرورة النوم لـ8 ساعات فى الليلة مع الجميع. يقول الدكتور توفيج: «إذا استيقظت مع شعور بالتعب وغفوت دون قصد أثناء النهار، فقد تحتاج إلى مزيد من النوم».

القلق والاكتئاب عدو العقل اليقظ

ترى العديد من الدراسات أن قلق شخص من شىء ما ولو كان بشأن عرض تقديمى قادم أمام المدير التنفيذى فقد يعيق الذاكرة، يقول الدكتور توفيج: «لا نفهم الارتباط الدقيق، لكن الأدلة القوية تشير إلى أن الاكتئاب والقلق ومرض ثنائى القطبين يعطلون الدوائر العصبية المعنية بتطوير واستعادة الذكريات.. وشدة فقدان الذاكرة غالباً ما تعكس شدة اضطراب المزاج - حيث يسبب الاكتئاب الحاد فقدانًا شديدًا فى الذاكرة».

وتزيد الفترات الطويلة من الإجهاد اليومى من مستويات الكورتيزول فى الدماغ، ما يؤدى لفقدان خلايا المخ فى نقاط التشابك العصبى «الجسور التى تربط خلايا الدماغ ببعضها البعض»، وتجعل من الصعب إنشاء ذكريات واسترجاعها. والخبر السار هو عندما يحدث فقدان الذاكرة مع اضطراب المزاج «بما فى ذلك القلق والاكتئاب»، يعكس فقدان الذاكرة الحالة المزاجية السيئة ومع تحسن الحالة المزاجية للفرد غالباً ما يتحسن فقدان الذاكرة.

أدوية تعالج شيئًا وتتسبب بتلف آخر

إذا كنت تعانى من النسيان المستمر، فمن المهم مراجعة الأدوية المستقرة فى خزانة الأدوية لديك، فيمكن للعديد من الأدوية التى تعالج أمراضًا مختلفة أن تجعلك تشعر بالنسيان، مثل عقاقير علاج القلق مثل زانكس وفاليوم واتيفان وهى تضع مثبطًا على جزء الدماغ الذى ينقل الأحداث من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى، كما أن لمضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات تأثيرًا مماثلاً.

وربط باحثون بين أدوية القلب ومشاكل الذاكرة، وكذلك مسكنات الألم المخدرة والعقاقير المنومة بالنسيان.

هذا لا يعنى التوقف عن تناول الأدوية الضرورية والتى تساهم فى أغلب الأحيان فى إنقاذ الحياة ولكن من المهم المتابعة مع الطبيب والتأكد من الدور الذى يمكن أن تلعبه الأدوية فى القدرة على التذكر.

ضرر جديد للتدخين

يحجز التدخين مكانة خاصة دائمة فى قائمة الأسباب التى تسفر عن العديد من الأمراض والمشاكل الصحية، ولا يمكن الحديث عن الأسباب التى تؤدى إلى الإصابة بالنسيان دون الحديث عن التدخين، وإذا كنت لا تزال تدخن، فقد يساعد ذلك فى تفسير هفوات الذاكرة، فحسب الدكتور توفيج: «التدخين يدمر المخ من خلال إعاقة تدفق الدم».

ووجدت الأبحاث المنشورة فى مجلة الطب النفسى العام، التى تم جمعها من البيانات التى تم الحصول عليها من أكثر من 7 آلاف رجل وامرأة، انخفاضًا سريعًا فى وظائف المخ شملت الذاكرة جنبًا إلى جنب مع المفردات ووظائف الدماغ الأخرى، مع تقدم العمر لدى المدخنين مقارنة بالذين لم يدخنوا أبداً وعلاوة على ذلك، يشجع تدخين السجائر على تراكم البروتينات غير الطبيعية التى تضعف قدرة الدماغ على معالجة ونقل المعلومات.

الذاكرة تتأثر بنوع الغذاء

كما يؤدى ساندوش البرجر والبطاطس المحمرة إلى تراكم الدهون على القلب وقد تتسبب هذه العادات أيضا فى مشكلات مع الذاكرة، إذ كشفت إحدى الدراسات أن الفئران فى مرحلة المراهقة عانت من ضعف مهارات التعلم والذاكرة بعد اعتمادها على نظام غذائى غنى بالدهون لمدة 8 أسابيع، بينما وجدت دراسة أخرى أجريت على الفئران فى منتصف العمر أن الحصين وهو جزء الدماغ المسئول عن الذاكرة قصيرة المدى قد تكون عرضة بشكل خاص للتأثر بالوجبات الغذائية عالية الدهون.

وهناك حاجة إلى مزيد من البحث لتحديد ما إذا كانت الوجبات الغذائية عالية الدهون تؤثر على ذاكرة الإنسان أم لا، ولكن النظم الغذائية الكثيفة السعرات الحرارية تعزز مرض السكرى من النوع الثانى وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية، والتى يمكن أن تلحق الضرر بالدماغ. وقد يبدأ الضرر فى مرحلة الطفولة حيث تربط الدراسات بين السمنة لدى الأطفال وضعف التركيز و القدرة على الاستيعاب.

للإجهاد مشكلات كثيرة

قد يؤدى تراكم المهام اليومية الشاقة إلى صعوبة تذكر شىء بسيط مثل عنوان المنزل، وأظهرت دراسة أجريت على الفئران أن هرمونات التوتر تؤثر على منطقة من منطقة الدماغ تتحكم فى الذاكرة العاملة، ووجد الباحثون أن الإجهاد المتكرر يقلل من مستقبلات جزء الدماغ المرتبط بعمليات التفكير.

ورغم أن هذه الدراسة شملت الحيوانات، إلا أن الدماغ البشرى يعمل بشكل مشابه، وكما يوضح الدكتور توفيج: «الإجهاد المتكرر أو المزمن يمكن أن يكون ضارًا، إذ يؤدى التعرض المنتظم للجلوكوكورتيكويدات المرتفعة وهى هرمون تنشره الغدة الكظرية، إلى أن خلايا المخ لدينا تقلل المستقبلات، ما يجعلها أقل قدرة على الاستجابة للإشارات الكيميائية العصبية.

وقد يساعد إيجاد طرق لتخفيف التوتر على معالجة النسيان، وتؤدى ممارسة التأمل دوراً مزدوجاً من خلال تخفيف التوتر والمساعدة فى تحسين الذاكرة، ووفقاً لدراسة من جامعة كاليفورنيا فى سانتا باربرا، تمتع طلاب الجامعات الذين أتموا 8 جلسات تأمل لمدة 45 دقيقة على مدار أسبوعين بزيادة متوسط نتائج الامتحانات من 460 إلى 520 وأظهروا تحسنًا فى اختبارات الذاكرة العاملة.

الجراثيم تؤذى 25 % من المصابين

تؤثر الحمى وارتفاع درجات الحرارة بسبب الإصابة بجرثومة على الذاكرة، ووفقاً لدراسة عام 2013، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين تعرضوا للإصابة أكثر من مرة بالأمراض الجرثومية على مدار حياتهم كانوا أكثر عرضة للإصابة بمشاكل فى الذاكرة من أولئك الذين تعرضوا للجراثيم بشكل أقل.

ومن بين أكثر من 1600 مشارك فى الدراسة، كان لدى أولئك الذين أصيبوا بالأمراض المعدية خطر الحصول على درجة منخفضة فى الاختبار المعرفى مع زيادة بنسبة 25 %، لأن لقاحات الأطفال ضد الفيروسات يمكن أن تساعد فى منع حدوث مشاكل فى وقت لاحق من الحياة، كما يشير الباحثون.

سر فى الشاى

قد تساعد المواد الكيميائية الموجودة فى الشاى الأخضر على تحسين ذاكرتك، ووفقاً لدراسة أجرتها جامعة بازل، تزيد العديد من المركبات فى الشاى الأخضر من نمو خلايا دماغية جديدة فى الحصين، وهو جزء من الدماغ يستخدم للذاكرة على المدى القصير وتعلم أشياء جديدة.

45 دقيقة رياضة تعنى ذاكرة حديدية

تساعد التمرينات المنتظمة فى الحفاظ على ذكرياتك حادةـ وتحسن التمارين البدنية الحالة المزاجية والنوم، وبذلك تعمل دائما على تحسين الإدراك والذاكرة.

وأظهرت دراسة أن التمرينات اليومية على مدار 12 أسبوعًا متواصلًا تزيد من نمو خلايا الدماغ، ويوصى الأطباء بممارسة التمارين الرياضية لمدة 45 دقيقة لمدة 4 أيام فى الأسبوع من أجل التمتع بذاكرة قوية مقاومة للنسيان.

راقب مستوى فيتامين بى 12

النباتيون معرضون بشكل أكبر لخطر نقص فيتامين بى 12 الذى يحافظ على صحة خلايا الجسم العصبية وخلايا الدم،لأنه يمكن الحصول عليه بشكل طبيعى من الأطعمة الحيوانية: المحار واللحوم والدواجن والبيض ومنتجات الألبان، ما يعنى أن هؤلاء الأشخاص معرضون بالإضافة إلى التعب، وفقدان الشهية، والإمساك، وفقدان الوزن، لمشاكل فى الذاكرة.

قد تحتاج النساء الحوامل وكبار السن وأى شخص مصاب بفقر الدم الخبيث أو اضطرابات معوية مثل مرض الاضطرابات الهضمية إلى مكملات غذائية تحتوى على فيتامين بى 12.

وتبقى الذاكرة هى كلمة السر فى حياتنا، الحفاظ عليها يعنى باختصار الحفاظ على أغلى ما نملكه وهو تلك الذكريات التى صنعت شخصيتنا وكتبت تاريخنا وتساهم فى رسم ملامح مستقبلنا.