قاسم سليماني ليس بطلاً ضد الإمبريالية

عربي ودولي

بوابة الفجر



فور إندلاع الأنباء عن اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وقائد الميليشيا العراقية أبو مهدي المهندس، أعلنت بعض الدوائر اليسارية في الغرب بثقة كبيرة مرة أخرى، أن الحرب العالمية الثالثة قد اقتربت.

وفي وقت السابق، كانت هذه التحذيرات نفسها من الهلاك العالمي قد أثيرت عندما أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشن هجمات بلا أهداف على أهداف عسكرية فارغة في سوريا، وصعد خطابه ضد كوريا الشمالية كيم جونغ أون، ومثلما لم تندلع حرب عالمية في هذه المناسبات السابقة، فإنها لن تندلع الآن أيضًا.

والكثير من اليسار في الغرب (نفس الأشخاص الذين يصفون أنفسهم بالتقدميين)، هاجموا بشراسة الناس في الشرق الأوسط الذين احتفلوا بوفاة سليماني والمهندس، في حين أنه من الخطأ الإشادة بقرار ترامب باغتيال القائدين باعتباره "عملًا نبيلًا"، فإن تأطير ما حدث في الرواية اليسارية القديمة والمتعبة للإمبريالية الأمريكية يمحو السياق الإقليمي ومعاناة ملايين الأشخاص في الشرق الأوسط.

وفي الواقع، من المهم فضح تهور ترامب والانتهازية السياسية، ولكن لا يغتفر أن نتجاهل جرائم سليماني والمهندس.

دوافع ترامب
مع وجود محاكمة مقاضاة في مجلس الشيوخ، والمزيد من الأميركيين يرفضون الموافقة على رئاسته، وخوض الانتخابات المقبلة، يحاول ترامب تعزيز موقعه في السياسة الأمريكية واللعب إلى قاعدته، ولقد تميزت فترة ولايته بعدم وجود جداول أعمال واضحة للسياسة الداخلية، أو الخارجية، ورحلات جولف متكررة تثير أسئلة أخلاقية حول كيفية إنفاق الدولارات الفيدرالية.

رغم أنه من الواضح أن الرئيس الأمريكي كان مدفوعًا باعتبارات محلية، إلا أنه في أعقاب الهجوم، ادعى أنه أمر بذلك باسم محاربة "الإرهاب" العالمي وأن اغتيال سليماني يعني أن عهده من "الإرهاب" قد انتهى.

وقد يساعده هذا الخطاب على تحسين تصنيفاته قبل محاولة إعادة انتخابه في نوفمبر، لكن مجرد اغتيال سليماني سيجعل العالم مكانًا أكثر أمانًا. ففي الواقع، لم يكن لأي من تدخلات ترامب في الشرق الأوسط أي تأثير على أمن المنطقة، على عكس ما ادعاه الكثيرون.

وسيظل الأشخاص في اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان وأماكن أخرى حيث نشطت قوة القدس سليماني يعانون من عواقب تدخل إيران الخارجي. وأن موت المهندس، والهجمات المحدودة التي قامت بها الولايات المتحدة على قوات الحشد الشعبي لن يحلّ الميليشيات التي ترسخت بقوفي العراق.

وبالمثل، فإن مقتل أبو بكر البغدادي، زعيم جماعة داعش (ISIS) لم يجعل المنطقة أكثر أمانًا من "الإرهاب". واستمرت هجمات داعش، واستمرت روسيا والنظام السوري في استخدام ذريعة "عمليات مكافحة الإرهاب" لتصعيد حملاتهما العسكرية ضد المدنيين المعارضين لحكم بشار الأسد، مما أسفر عن مقتل المئات وتشريد مئات الآلاف.

ولم تفعل الغارات الجوية التي قام بها ترامب في عامي 2017، و2018 على أهداف النظام السوري شيئًا لمنع حملة الإبادة المستمرة التي قادتها دمشق ضد سكانها، كما أنها لم تسفر عن الحرب العالمية الثالثة، أو الحرب مع روسيا التي توقعها بعض النقاد اليساريين على وسائل التواصل الاجتماعي.

فلقد "انسحب" من سوريا، لكنه أعاد القوات "لحراسة النفط"، ولقد وعد باتخاذ إجراءات صارمة ضد إيران بعد الهجمات في الخليج، لكنه لم يرد على الطريقة التي أرادها حلفاؤه.

لقد حان الوقت لأن يعترف الطرفان بأن ترامب يتخذ قرارات السياسة الداخلية والخارجية على أساس الأنا وما يناسبه، وليس على أساس الدفاع عن "شعبنا"، أو بعض المؤامرة الإمبريالية الشيطانية.

وقد أعطت اغتيالات سليماني، والمهندس بعض سكان الشرق الأوسط شعورًا بالارتياح لأنهم تخلصوا أخيرا من اثنين من قادة الميليشيات الذين جلبوا الكثير من المعاناة لمجتمعاتهم.

ومع ذلك، من الصعب التستر على الجرائم التي ارتكبتها إيران، ووكلائها الإقليميون على مدار السنوات العشر الماضية.

فلقد دعمت إيران وحتى قدمت المشورة بشأن القمع الوحشي الذي شنه النظام السوري على احتجاجات المعارضة والقتل الجماعي للمدنيين في وقت لاحق من خلال قصف المناطق والحصار القاسي.

كما أنها أرسلت أطفال اللاجئين الأفغان للقتال لصالحها في سوريا، ولقد أرسلت معدات وأفراد عسكريين إلى الحوثيين في اليمن، الذين اتهموا مثلهم مثل أعدائهم، السعوديين، والإماراتيين، بارتكاب جرائم حرب في النزاع اليمني. وفي العراق، دعموا، ووجهوا ميليشيات ارتكبت جرائم مختلفة ضد المدنيين العراقيين.

وكان هناك الكثير من الضجيج حول خرق الولايات المتحدة للسيادة العراقية، لكن كان هناك القليل من الكلام عن الأعمال الإيرانية، والروسية التي تنتهك السيادة في المنطقة. وإن الوجود المستمر لسليماني في العراق لإصدار الأوامر إلى المسؤولين والقوات العراقية هو مجرد واحدة من علامات كثيرة على عدم احترام إيران لسيادة العراق.

ولكي تكون معاديًا للحرب حقًا يعني معارضة العدوان من جانب الجميع وإدانة جميع المتهمين بارتكاب جرائم حرب، سواء قاسم سليماني أو غيره.