بطرس دانيال يكتب: أحْبِب وافعَل ما تشاء

مقالات الرأي



يحثّنا القديس يوحنا قائلاً: «من زعم أنه فى النور وهو لا يُحبُّ أخاه لم يخرج من الظلام» (1يو 9:2). سأل أحد المعلمين تلاميذه: «كيف نكتشف الخيط الفاصل بين انتهاء الليل وبداية النهار؟» أجابوه: «عندما نستطيع أن نميّز من بعيد بين الرجل والمرأة، بين النخلة وشجرة التين». فتمتم المعلّم نافياً: «لا». ثم سألوه: «كيف إذاً؟» أجابهم قائلاً: «عندما أرى فى كل شخص أتقابل معه أخ أو أخت لى، وخلاف ذلك سأعيش فى ظلامٍ دائم مهما كانت الشمس مشرقة». نستطيع أن نستنتج من هذه الأمثولة أن عدداً غير قليل من الناس مازال يعيش فى الظلام لأنه لا يتمكّن من رؤية الآخرين كإخوة له. فالمحبة أنواع: محبة الوالدين لأبنائهما ومحبة الإخوة بعضهم لبعض ومحبة الأصدقاء ومحبة العشاق، ولكن أصعب من هذه كلها محبة الذين لا يبادلوننا نفس الحُب ويقاوموننا فى أعمالنا وحياتنا اليومية. إذاً فماذا نفعل تجاه هؤلاء؟ هل نبادلهم نفس شعور البغض والكراهية أم نحبهم حتى نغيّر من تصرفاتهم؟ يقول الزعيم الهندى غاندي: «الإنسان تهدمه: السياسة بدون مبادئ، الغنى بدون عمل، الحكمة بدون سلوك، العمل بدون ضمير وأخلاق، العلم بدون إنسانية، الدين بدون إيمان، والحب بدون تضحية وبذل الذات». نلاحظ من كلام غاندى أنه لم يؤكد أن نقصان الطعام أو الصحة أو العيش الرغد هى التى تدمّر حياة الإنسان، لكن فقدان المبادئ والأخلاق والأمانة والإنسانية والإيمان والسخاء والحب. فالمحبة هى الكنز الوحيد الذى ينمو ويزداد بالعطاء والمشاركة مع الآخر، فإذا أردنا أن نُقيّم الحب بمعادلة الربح والخسارة لن نحب أبداً، ومَنْ ينتظر من الآخر أن يعامله بالمِثل فيما يفعله ويقدّمه له، لا يعرف معنى الحب، لأن المحبة لا تسعى إلى منفعتها. عندما سأل أحد النبلاء الأم تريزا دى كالكوتا مؤسسة راهبات المحبة قائلاً لها: «لو أعطونى مليوناً من الدولارات لن أجازف أبداً وأتقرب من مرضى الجذام». أجابته بابتسامة: «وأنا أيضاً لن أفعل نفس الشيء حتى لو منحونى مليونين من الدولارات. لكننى أقوم بهذا بكل سرور بدون مقابل ومن أجل محبة الله والآخر». نجد التناقض بين الأم تريزا والمليونير الذى يحاورها فى مبدأين : « من أجل المال» ومن «أجل الحب». لا يوجد حب حقيقى تحت مسمّى: «من أجل المال»، لكن الأعمال العظيمة النابعة من المحبة هى مجانية وبلا مقابل ومن أجل محبة الله والإنسان. نستشف الحب الصادق الحقيقى من علاقة الوالدين بأبنائهما. نحن نعلم بأن الابن لا يحب أباه على نفس الدرجة والمستوى ونقول نفس الشيء للابنة. لأن حُب الوالدين مجانى وكلاهما يتوقعان أن يخذلهما الأبناء فى حبّهما ويُقَابل ذلك بجفاءٍ وبرودة تجاه كل ما يفعلانه، ومع هذا لم ولن يتوقف أحدهما عن حبّه لهم. لأن من يحب حقاً سيتألم كثيراً. أيضاً يتوقع الوالدان المفاجآت الكثيرة من أبنائهما، فبالرغم من الجينات الوراثية وأنهم على صورة الله ومثاله، إلا أنهم يتحلّون بطباع ومزاج مختلف تماماً. يقول المؤلّف الفرنسى جيلبرت سيسبرون: «أنا أحب .... إذاً أنا موجود»، لأن مَنْ لا يُحِب فهو لا يساوى شيئاً، وكلّما انطفأت نار المحبة فى قلوبنا، صرنا أمواتاً. هناك ثلاثة أفعال هامة فى مسيرة الحب وهي: أخذ وفقدان وعطاء، كلها تساعد على نموه والانتقال من الامتلاك إلى العطاء، ويجب أن نمر بهذه المراحل الثلاث: ففى المرحلة الأولى نشعر بسعادة الأخذ والامتلاك، وفى الثانية نمر بألم الفقدان، ولكن فى المرحلة الأخيرة نتغنّى بالغبطة الحقيقية الناتجة عن العطاء. لكن هذه المسيرة تحتاج إلى استمرارية ومثابرة وهى بمثابة النجمة التى تضيء لنا وتقودنا فى طريق الحب. وهذا يوضّح لنا فشل الكثيرين فى الحب فى يومنا هذا، لأنهم يختصرون الحب على لقاء سريع أو حوار مبتور وفى أوقات قصيرة. لذلك لا يستطيع المحبّون أن يتعرّفوا على بعضهم البعض ويكتشف كل منهم الآخر وتصبح النتيجة موت الحُب الحقيقى وعدم تحمّل نقائص وعيوب الآخر وصعوبة التعايش تحت سقف واحد. ما أكثر الذين يتوهّمون بأن المحبة هى أن «نُحَبْ» لا أن «نُحِبْ»! كل من يتخيّل الحب هو امتلاك، ضلّ الطريق، ولا نستطيع أن نطلق كلمة حُب على شيء لا يتحلّى بالتضحية والعطاء والمجانية. إذاً، أفضل حُب هو الذى يتقلّص فيه «التملّك» ويتطهّر من الأنانية. ونختم بالكلمات الرائعة للقديس أغسطينوس: «أحْبِب وافعَل ما تشاء».