كرستينا عياد تكتب: مصرع احدهم.. معلش

ركن القراء

كرستينا عياد
كرستينا عياد


عملات معدنية وبعض جنيهات متناثرة -لم تنجح في التكاثر كي تجمعها ورقة نقدية واحدة- اصطبغت بدماء ذلك الجسد الساكن بين قضبان السكك الحديدية التي بدت للوهلة الاولى اكثر انسانية من الجميع. 

بينما كانت يده ممسكة بجنيهات اعلنت رفضها مغادرة وطنها المختار حتى تكتمل وتصبح سبعون من الجنيهات، علها تعيد له الحياة. 

سبعون جنيها كاملة.. خمس من دولارت العم سام.. جعلت رئيس القطار ينصب نفسه حاكما عاما على القطار ومن فيه.. سبعون جنيها جعلت كل من في القطار يتظاهر بانه لم يرى مشهد اجبار  هذين الشابين على مغادرة القطارالمتحرك.. غير انهم جميعا افاقوا فور تسلل صوت سحق عظام الضحايا تحت عجلات القطار..  ملقين كل صوت تأنيب بدء ينمو في ضمائرهم تجاه رئيس القطار ومن معه.. اما نحن فمجرد مشاهدون عابرون في متن عابر لايعبئ بمن سحق و من دهس ومن مات شهيدا لسبعين جنيها. 

و في ظل التاريخ المتنوع لحوادث السكك الحديدية في مصر، ما بين اولائك المتفحمين في قطار الصعيد في الماضي القريب و اقرانهم على رصيف محطة مصر قبل اقل من عام..  يقبع مئات الضحايا لحوادث كان يمكن تجنب اغلبها، فالكارثة الحقيقية أن المبررات لكل حادث موجودة من قبل حدوثه وكأن هناك ادارات هائلة تخطط للرد وغسل ايدي الحكومة مسبقا واستحضار هذه التصريحات طبقا لنوع الازمة وطرق الخلاص من كل مصيبة. 

وهذه التصريحات الكارثية التي تهدد و تتوعد المخطئ و تؤكد على انعدام المسئولية الحكومية عن الحادث لا تهم المواطن في شئ في ظل انشغاله بتدبير السبعين جنيه الفارقة بين الموت والحياة. 

واما السيد رئيس الهيئة، الثابت على كرسيه ثباتا لاتضاهيه شواهد قبور ضحايا حوادث السكك الحديدية والتي كشفت عن سوء ادارة من الطراز الرفيع مع غياب لاسس السلامة ومعاير الامان المتفق عليها، وحتى في ظل الفشل الطاغي الذي كشفه حادث رصيف محطة مصر بقى رئيس الهيئة ورحل الوزير في سابقة ربما هي الأولى في تاريخ حوادث الهيئة، ولا تختلف ادارة رئيس الهيئة عن منهجية نوابه فهم جميعا في قارب واحد من التخبط والعجز عن اصلاح الهيئة التي شارفت على التداعي التام. 

ربما كانت محطة دفرة القديمة المتهالكة بمثابة الشاهد الامين والقادر الوحيد على الاعلان عن حادث سقطت فيه الانسانية، وعلى السكة مئات المحطات والمزلقانات كممت افواهم عن الشهادة مثلما خرست السنة العاملين بالهيئة نتيجة نقل احدهم وتهديد آخر وسجن ثالث وخصم لرابع حتى ان فئة سائقي القطارات تلاشت قوتها واندثر تأثيرها. 

ففي عهد رئيس الهيئة الحالي اصبح الخوف هو اللغة الرسمية على ارصفة القطارات.. اجواء الخصومة والكراهية بين العاملين و الادارة العليا لا تخطئ اعين المكفوفين.. الحواجز تفرض مثلما تفرض الخصومات، كأنهم وجدوا في قطع لقمة العيش وسيلتهم لتصفية حسابات قديمة حين كانوا مثلهم عاملين وليسوا رؤساء ومسئولين.. الجميع يشعرون بضغط هائل فالسجن من امامهم ورئيس الهيئة ومسئوليها من خلفهم. 

اما الطامة الكبري فلو صح ما يقال حول قيام مسئولي مكتب رسلان بطمس عديدا من الحقائق حول بعض الحوادث، حتى ان الوزارة شكلت لجان من خارج الهيئة للوقوف على الحقيقة، في صورة هي الابشع ربما لانهم اعتادوا سماع (مصرع احدهم، بلغ عدد الوفيات، والمصابين)..   في تقارير كتبتها ايادي لا تقيم وزنا لحياة البشر  فهمها الشاغل هو البقاء على عروشها 
وحقيقة قيام بعض المسئولين بتغير هذه التقارير لا يمكن نفيها او تأكيدها في ظل رفض المهندس اشرف رسلان الرد على جميع هواتفه وكذلك حال اغلب نوابه..

لنصبح جميعا امام سؤال واحد.. لماذا لم يتم اقالة اشرف رسلان حتى هذه اللحظة، ولماذا لم يتغير نواب رسلان ويتم انتداب كفاءات، لماذا لا يستحدث قانونا ينظم الهيكل الاداري في هيئة هي الأضخم في مصر؟