د. نصار عبدالله يكتب: أصدقائى الذين لم أعرف ديانتهم إلا بالمصادفة

مقالات الرأي



على مدى عمرى كله تقريبا، وأنا لا يعنينى كثيرا أن أعرف ديانة أصدقائى أو زملائى الذين يحملون أسماء مشتركة لا تنبىء عن ديانة صاحبها، وعندما يقدر لى أن أعرفها فإن هذا كان يتم غالبا بالمصادفة، دون أن يترتب عليه أى أثر على الإطلاق فى مدى قوة الصداقة أو عمقها،...ومن بين هؤلاء الذين عرفت ديانتهم بالمصادفة أكتفى بذكر اثنين عزيزين؛ أولهما هو منى فؤاد عطية زميلتى فى الدراسة فى كلية الإقتصاد والعلوم السياسية فى الفترة ما بين 1962و1966، والتى كانت تتسم بذكاء حاد، وثقافة واسعة، وخفة ظل متناهية، وجمال هادىء لكنه آسر، وهى السمات التى جعلتها من أكثر الشخصيات شعبية فى الكلية، وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت واحدة من أبرز الوجوه المساهمة فى الأنشطة الثقافية الطلابية التى قدر لى أن أساهم فيها مما زاد من عرى المودة والتعاون بيننا، من بين هذه الأنشطة على سبيل المثال اشتراكنا معا فى برنامج: «عشرين سؤال» الذى كانت تقدمه الإعلامية الشهيرة ليلى رستم، ولقد تفضل أحد زملائنا من محررى مجلة «النصر» التى كانت تصدرها جماعة الصحافة بالكلية، تفضل بعد إذاعة الحلقة بأن كتب يقول إن الزميلة منى فؤاد وشخصى المتواضع كانا وجهين مشرفين لطلاب كلية الاقتصاد.. وبعد سنوات طويلة من تخرجنا عام 1966 ( وقد كانت منى بالمناسبة هى الأولى على دفعتنا )... بعد تلك السنوات قرأت نعيا فى الأهرام لواحد من ذوى قرباها الأقربين، وكان اسمها واردا فى النعى رباعيا..منى فؤاد عطية شنودة، وكانت هذه هى المناسبة التى عرفت فيها للمرة الأولى أن منى مسيحية!! وعلى أية حال أرسلت إليها برقية عزاء أتمنى أن تكون قد وصلتها،..ولقد انتابنى فى الفترة الأخيرة حنين جارف إلى التواصل مع من بقى من دفعتنا على قيد الحياة فلجأت إلى الدكتور مصطفى الفقى الذى نعتبره جميعًا عمدة دفعتنا نظرا لغزارة معرفته بآخر أخبار وتطورات حياة عدد كبير من المنتمين إلى الدفعة، فضلا عن حرصه على التواصل بكل من يمكنه التواصل به منهم، وقد أخبرنى الدكتور مصطفى بأنه قد التقى بها منذ سنوات قليلة فى مناسبة عامة وأنها ما زالت كعهدنا دائما بها شخصية آسرة ومؤثرة، ووعدنى بأنه سوف يوافينى فى أقرب فرصة بوسيلة التواصل معها..أما الشخصية الثانية فهى شخصية الروائى جميل عطية إبراهيم الذى عرفته منذ ستينيات القرن الماضى وجها دائما من وجوه الجلسة التى كان يعقدها نجيب محفوظ فى مقهى ريش، وبعد ذلك فى كازينو قصر النيل، وذلك قبل أن يسافر جميل إلى جنيف لكى يعمل فى الأمم المتحدة، ورغم سفره إلى سويسرا فقد ظل شديد الارتباط وجدانيا بمصر إلى حد أنه لم يكن يستخدم قط جواز سفره السويسرى بكل ما يتيحه الجواز السويسرى لصاحبه من المزايا!! ويفضل دائما أن يستخدم جواز سفره المصرى لأنه كما يقول هو التعبير الصادق عن هويته الحقيقية، وفى كل عام، وتحديدا فى موعد انعقاد معرض القاهرة الدولى للكتاب يجىء جميل عطية إلى القاهرة ليقضى إجازته السنوية بأكملها فى المعرض، وتحديدا فى المقهى الثقافى الذى كثيرا ما يشارك فى ندواته، وفى إحدى هذه الندوات التى كان لكاتب هذه السطور شرف تقديمها تحدث جميل عطية عن ظاهرة الإسلاموفوبيا،.. كما تحدث عن التسامح الدينى الذى يتسم به المسلمون فى المجتمع المصرى على نحو لا نجد له مثيلا ربما فى أى مكان آخر فى العالم، وأضاف جميل أنه شخصيا لم يواجه أى تمييز دينى فى مصر على الإطلاق سوى مرة واحدة، وقد كانت تلك المرة فى الكنيسة أثناء استماعه إلى موعظة كان يلقيها أحد الآباء، عندما خطر له أن يستوضح نقطة معينة وردت فى الموعظة، فوقف وطرح استفساره، وعندما سأله الكائن: من أى مذهب أنت؟ أجاب جميل ببراءة وتلقائية : أنا إنجيلى، وعندئذ تغيرت سحنة الكاهن، وصرخ فى وجه جميل وعيناه تقدحان شررا.. أخرج يا كافر.. هذه كنيسة المؤمنين وحدهم!.. عندئذ وبمناسبة تلك الندوة وحدها عرفت بالمصادفة الخالصة ولأول مرة ديانة صديقى العزيز الذى كنت أعرفه قبل ذلك بما يزيد على أربعين عاما.. يبقى أن أقول إن جميل عطية قد تغيب هذا العام عن المقهى الثقافى مما أثار قلقى الذى عبرت عنه فى مقال الأسبوع، وفى أعقاب نشر المقال، ومن خلال اتصال هاتفى مع المشرف على ندوات المقهى الأستاذ شعبان يوسف الناقد والمؤرخ المعروف للحركة الثقافية، أخبرنى الأستاذ شعبان، أنه قد نما إلى علمه أن الأستاذ جميل يرقد مريضا، وأنه لا يملك وسيلة للتواصل معه، ولا يعرف له إيميلا ولا صفحة على الفيسبوك، وهو ما يجعلنى هنا أدعو له بالشفاء أولا، ثم أوجه ثانيا نداء إلى القراء العزاء لعل منهم من يعرفه، ويدلنى على وسيلة للتواصل معه بعد أن تعذر اللقاء المعتاد فى معرض الكتاب.