الدكتور أحمد أبورحيل يكتب: "طفولة الرجال"

مقالات الرأي

الدكتور أحمد أبورحيل
الدكتور أحمد أبورحيل



يقول بعض علماء النفس أن الرجل تنتابه حالات طفولية يحتاج فيها إلى معاملة شبيهة بمعاملة الأطفال كاللعب والتدليل وعدم العناد وتلبية مطالبه ،وأحيانا تصل هذه النوبات إلى الصراخ والبكاء وتارة آخرى تجدها تصل إلى الضحك الهستيرى.

على كلاً جميع هذه السمات هى سمات موجودة فى جميع البشر وغير زائلة وإنما قد تقل وقد تزيد على حسب مجموعة من العوامل ، وتتضح بوضوح هذه النوبات فى مرحلة الكهولة  ويؤكدها المثل الدارج "مكبركم مثل مصغركم" ولكن فى فترة الكهولة يكون الشخص قد أدى معظم رسالته فى الحياة ،وقد قام بتلبية جميع مطالبه ومهامه ووجباته من تربية أولاده وخدمة مجتمعه المحيط ومجتمعه الوظيفى.

ولكن  نحن هنا بصدد الرجل الذى لم تنتهى رسالته بعد فى الحياة ،وقد بلغ من المناصب مابلغ ،ولايزال يستمر إلى التطلع إلى مكان آخر ومازل مستمراً فى أحلامه ،وبالمناسبة أحلام الإنسان وأماله لاتنتهى فى الحصول أوالوصول إلى الأعلى ،على الرغم من إنها قد لاتكون الأفضل ،ولكن هذه هى طبيعة الإنسان الدنيوية.

فهذا الرجل الذى قد نظنه قدبلغ من المناصب مابلغ ،وبلغ من العلم مابلغ ،وبلغ من الثقافة مابلغ ،وبلغ من المال مابلغ ،قد تنتابه نوبات طفولية ،وهى قد تكون واضحة المعالم ،ويستطيع أى شخص متخصص فى علم النفس أن يعرفها بوضوح عند القيام بإجراء حديث او مناقشة او المشاركة فى القيام بعمل ما مع هذا الرجل ،والحقيقة أن هذه النوبات غير واضحة إلا عندما تكون هناك عوامل لإاستثارتها وبروزها لتظهر فى الأفعال والكلام، والواقع أن بدون هذه العوامل يظل الرجل حكيم ورشيد ويشهد له بالنبيان والعرفان.

وهنا نود أن نشير إلى بعض سمات الطفولة التى يمارسها الرجال بدون شعور وبدون إرادة :
فالطفل يرى نفسه محور الدنيا ،فإذا ترك المدرسة ظن أن الاطفال كلهم يتركونها ،وهى ستقفل أبوابها ،فإذا رآهم انتظموا فى الذهاب إلى المدرسة تألم وظن إنهم أطفال غير صالحين.

وهكذا الرجل عندما يقال من منصبه ظن إنهم قد خسروه وأن المؤسسة ستغلق أبوابها ولم تستطيع الإستمرار فى عملها وإنه خسارة فى هذا البلد، 
والطفل إذا ضربه ولى أمره خيل إليه أن الدنيا كلها حزينة معه تتألم لألمه ،أما إذا فاز بلذة غير منتظرة زهت الدنيا بعينه ،وهو قد يندهش آنذاك حين يرى غيره حزينا لايفرح معه.

هكذا الرجل عندما يحصل على مايريده من جائزة علمية أو شهادة تقديرية او منصب معين ملأ الدنيا فرحا وسرورا ثم ملأ الدنيا بالثناء على البلد وأحوالها ،أما إذا حدث عكس ذلك، لا سمح اللهولايحصل على مايريده، صاح ضجيجا وشن حرب شعواء على الوضع وعلى الحال وإننا سنبقى مقهورين ولانقدر الشخصيات حق تقديرها.

والمشكك فى كلامى عليه أن ينظر إلى نفسه وأن يتمتع بالصدق مع نفسه والصراحة ،ليتعرف على حقيقة ماأقول.

وفى واقع الأمر يكبر الطفل وينضج عقله وقد يصبح من المحنكين أوالحكماء ولكن بقية من هذه النظرة تبقى فى قرارة نفسه قليلاً او كثيراً وهذا يعود إلى الظروف المحيطة وواقع التنشئة الاجتماعية له .

وكلما إزدادت حنكة الإنسان وتجاربه ضعفت فيه تلك النظرة ،ولكنها لن تموت أبداً ،فهى باقيه فى الإنسان مابقى الإنسان ،لذلك نجد الإنسان إذا فرح يريد من الناس كلهم أن يفرحوا معه .وهو يقول ليس هناك  من داع للحزن "اضحك يضحك العالم لك "وهذا الإنسان  ذاته إذا حزن فى وقت آخر ،كره أن يرى أحد ضاحكاً فرحاً فهو يقول "الضحك من غير سبب قلة أدب".

وإذا نال الإنسان منفعة من شخص ما إرتفعت قيمة ذلك الشخص لديه ،وأصبح من العادلين الصالحين ،كثر الله من أمثالهم ،فإذا رأى أحد يذمه هاجمه وقال له "أنت لاتعرف أقدارالناس وقيمتهم على حقيقتها".

أما إذا أصابه ضرر من هذا الشخص نفسه صار ذلك الشخص من ألعن خلق الله فى نظره ،ويسوءه حينئذ أن يرى الناس يمدحونه ويشيدون بفضله على أى حال، ويصعب على الإنسان أن يتخلص من هذه النظرة مهما حاول ،فهى تكتنفه من حيث لايشعر بها "إلا من رحم ربي" .

ويقول (على الوردى) المفكرالعراقى "إنه قد ينظر الناظر إلى الأطفال فى تنازعهم وتصافعهم فيظن أن الرجال الكبار لايفعلون مثل ذلك وإنهم عقلاء والحمدلله،والواقع أن الرجال الكبار كالأطفال فى تنازعهم حيث قال أحد علماء النفس "ان الرجل هو طفل كبير".

ويقول (نزار قبانى) "يحكى أن أحيانا نبكى بلاسبب كالأطفال".

ويقول (هشام الجخ )فى إحدى قصائده التى يهاجم فيها حكام العرب "ومازال الطفل فى قلبى يعاديكم".

وقد نرى الطفولة تظهر فى شخصية الرجال بدون حتى الدخول فى حوارات معهم من خلال مايقيمون بنشره على صفحات التواصل الاجتماعى  من نشر صور وحالات اثناء أكلهم ونومهم وغير ذلك من أمور الحياة التى لايحرجون منهاولا يخجلون من نشرها.

وهنا لانوجه اللوم إلى مرحلة الطفولة ذاتها،حيث إذا تحدثنا عن الطفولة نجدأن الطفولة هى من أجمل الأيام فى حياة الإنسان حين كان لايفكرفى شئ ولايقلق من شئ،يفعل ما يريد ليس عليه عتب ولا لوم ،فكانت الإبتسامة لاتفارق وجوهنا ،وكانت القلوب صافية بيضاء لاتحمل على أحد ولاتجرح قلب أحد.

فعندما يداعبنا الحنين إلى الماضى البعيد عن طفولة بريئة وأيام سعيدة ،حينها نعرف أن هناك أيام لن تعود ،وسنين قد مضت ،وأيام لن تأتى ،حينها نتذكر تلك السنين ونشعر برغبة قوية للعودة لها ،بدون قيود ولاهموم ،حيث نعيش على براءة وطهارة قلوب الأطفال فى زمن بعيد ،أما الآن أصبحنا كومةمن الهموم ،والأوهام الزائفة ،نعيش فى حياة واحدة مختلفين فى تلك الظروف ،تائهين لانعرف اين ذلك الحنين ،والحقيقة أن ذلك الحنين لاينتهى مهما بلغنا من العمر.

والغريب عندما كنا صغار كنا نستعجل الوقت لكى نصبح كبار لكى نحصل على القوة والمكانة والشهرة والوضع الاجتماعى الذى نحلم به ونتطلع إليه،أما عندما كبرنا واكتشفنا أن هذه الحياة ماهى إلا سراب ،نعم سراب فكلما كبرت كبرت معك همومك وأحزانك وأحلامك وأعمالك فنحن الآن نرجو منالزمن أن يعود بنا إلى الطفولة، حيث لا نعرف الكره ولا الحقد ولا الخيانة ولا الغدر ولا النميمة ولا الرذيلة.
بل هنا نعيب ونوجه اللوم على من يستعمل أساليب الطفولة فى غير موضعها ويقوم بممارسة عقده النفسية على من يتعاملون معه، حيث ليس الزمان زمانها ولا المكان مكانهاولا طبيعة اشخاصها كما هى.

وفى كل ماسبق نقوم بقراءة للواقع والتصرفات ولكن هذا وحده ليس كافياً فنحن نقرأالوقع لنستفيد من هذه القراءات فى حياتنا المعيشية اليومية.

حيث يمكن أن نرجع نوبات الطفولة للرجال إلى  الرغبة القوية فى العودة إلى الماضى
للسببين:

أولاً:للرغبة فى العودة للزمن الجميل أوالزمن السعيد حيث لاتفكير ولارهبة ولا تمايز ولاتفريق وهذا خاص بالأشخاص الذين عاشوا طفولة سعيدة تحققت فيها كل احتيجاتهم ،فهم يرغبوا دائما فى العودة إليها ،وفى هذا النوع يجب أن يعرفوا هؤلاء أن الحياة والحضارة اساسها التنازع والمعارضة لتحقيق التقدم والتجديد  ولتحريك المياه الراقدة، وعلينا أن نهيئ أطفالنا على هذه الحياة حتى لا ينسحبوا منها غير قادرين على تحقيق أهدافهم وأحلامهم.

ثانيا: لتحقيق الأشياء التى عجزنا عن تحقيقها فى زمن الطفولة او محاولة استرجاع حياة الطفولة ونحن أقوياء ،وهذا يدل على أن هناك احتياجات لم يتم إشباعها فى مرحلة الطفولة ولها آثار سلبية متراكمة فى حياتنا ،ولكن دعونا نتسائل هل ننجح فى تعويضالشخص عن أوقات من عمره قضاها فى حياة غير مرضية ؟،هل من الممكن ان نسترجع الزمن ؟ وهذا النوع من الرجال يجب أن يعرفوا أن أفضل شئ للرجال هو امتلاك أشياء كانوا لايستطيعون امتلاكها ،وذلك بعد عناء شديد يشعرهم بقيمة الانجاز والاحساس بالذات.

فنحن نستفيد من ذلك فى معرفة طبائع الناس حتى لانصدم بهم بل ونلتمس لهم الاعذار فهم أطفال مهما بلغوا من العمر اومن العلم او من الثقافة او من المال،ثم  نربى اطفالنا على الثبات وتحمل الشدائد وتحقيق الذات والأهداف.

وفي نهاية المطاف يجب أن يعلم الجميع أن الرضا هو اسمى الامانى التى نسعى للحصول عليها حتى نرضى بأحوالنا،فيقول المولى عز وجل "ولسوف يعطيك ربك فترضى".

وأن مايواجه الإنسان من صعاب فى حياته يؤجر عليها إذا صبر واحتسب ، وندرك أن مراحل الإنسان تبدأ بالضعف ثم القوة ثم الضعف مرة اخرى، حتى نأخذ العبر والعظة ونستعد ليوم الرحيل، حفظ الله مصر برجالها الاوفياء،وشبابها الشرفاء، وأطفالها الأنقياء.