إنما الناس كالإبل المائة

إسلاميات



ضرب المثل له مقاصد علمية وتربوية كثيرة، ومن ذلك: إبراز المعاني الذهنية في صورة الواقع المشاهد، وترسيخ المعاني السامية في نفوس المتلقين، ولما كان المثل بهذه المثابة فقد استعمل كثيرا في السنة النبوية؛ إذ هو أقرب طريق لإيصال الحق للنفوس، وتعليم العلم لمن يجهله، ومن ذلك المثل الذي أورده النبي -صلى الله عليه وسلم- لينبه على ضرورة انتخاب الصاحب والرفيق كما ينتخب صاحب الإبل من مجموع إبله راحلة للركوب وحمل المتاع. 


ففي البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة».
ولفظه في صحيح مسلم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تجدون الناس كإبلٍ مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة».
 

قال ابن قتيبة: الراحلة: النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره، فهي كاملة الأوصاف، ويقال راحلة للذكر والأنثى.

ويدور المعنى في هذا الحديث على احتمالين:

الأول: التساوي بين المسلمين.

الثاني: ندرة النجيب في الناس. 

وبيان ذلك كالآتي:

على الاحتمال الأول يكون معنى الحديث: أن الناس متساوون في أحكام الدين، ولا فضل لأحد على أحد، بل هم مثل الإبل المائة التي ليس فيها راحلة، وهذا القول قاله ابن قتيبة وغيره.

وعلى الاحتمال الثاني يكون المعنى: أن ندرة النجيب في الناس كندرة النجيب في الإبل، فكما أنك لا تجد في المائة من الإبل راحلة منتجبة تصلح للحمل والركوب، فكذلك لا تجد في الناس من  يصلح لحمل عثار غيره، والقيام على شؤون من سواه إلا على وجه الندرة، وهذا القول هو الذي رجحه كثير من شراح الحديث، كالنووي وغيره.

قال الخطابي: يؤول الحديث بوجهين:

أحدهما: أن الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع على وضيع، كالإبل المائة التي لا يكون فيها راحلة، وهي التي تُرحل لتركب وتصلح للحمل والركوب عليها.

والثاني: أن أكثر الناس أهل نقص، وأهل الفضل عددهم قليل، بمنزلة الراحلة في الإبل المحمولة، كما قال تعالى «ولكن أكثر الناس لا يعلمون» أ.هـ.

وعلى المعنى الثاني يكون ذلك آخر الزمن حين يقل خيار الناس، ويكثر شرارهم، قال ابن بطال: وهذا الحديث إنما يراد به القرون المذمومة في آخر الزمان، ولذلك ذكره البخاري في باب رفع الأمانة.
 

ويكون وجه تميز الواحد من المائة من الناس على سائرهم هو حمله لأثقال الناس، وقضاء حوائجهم، وتفريج كروبهم، كتميز الراحلة على المائة من الإبل في حمل الأثقال، واحتمال المشاق في الأسفار، وهذا أولى ممن حمله على وجوه أخرى من وجوه التميز كالزهد والأمانة وغيرها.

قال القرطبي: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحمالات عنهم، ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة.

ومن دقائق ما يهدي إليه هذا المثل المضروب: حرص المسلم على انتخاب الرفيق والبحث عنه بين ركام البشر؛ لندرته وعزة وجوه، مما يضاعف مهمة البحث والاصطفاء، فإن الصحبة فيها من حمل الصاحب وملا ينته، وقضاء حوائجه، واحتمال نقصه ومعايبه، ما لا تتهيأ له نفوس كثير من الناس، ولذلك قال القائل:

                       وإذا صفا لك من زمانك واحدٌ ... فهو المراد وأين ذاك الواحدُ

وكان يقول بعضهم يقول: هذا زمان قحط الرجال، وروي أن سهلا التستري خرج من مسجد ورأى خلقا كثيرا في داخله وخارجه، فقال: أهل لا إله إلا الله كثير، والمخلصون منهم قليل.

وفي هذا المثل المضروب حث للمسلم على النجابة وتطويع النفس لبلوغ هذه المنزلة بالترفع عن الدوران حول الذات، والسمو نحو التميز عن عامة الناس بحمل همومهم، والانشغال بهدايتهم وإصلاح شؤونهم، وتلك مقامات الخُلَّصِ من الخلق، بدءاً بالأنبياء والرسل الذين هم في أعلى مقامات التضحية في سبيل هداية الخلق، واستصلاح البشرية، فلم يعيشوا لأنفسهم وذواتهم، وإنما كانوا رحمة على الأمم، وملاذاً لضعفاء الخلق يحملونهم ويشفقون عليهم، وهكذا ينال من سواهم من هذا التميز والتفرد على قدر ما نالوه من ميراث الأنبياء، وما حملوه من هم هداية الخلق وقضاء حوائجهم.