إيمان كمال تكتب: لماذا أصر جمال عبد الناصر على تصوير فيلم قصة سيدنا موسى فى مصر؟

مقالات الرأي




التخوف على سمعة مصر من التشويه، اختلاف وجهات النظر الدينية بين الاسلام والمسيحية واليهودية، وأيضا للحفاظ على الأمن القومى والوطنى، إجراءات وتصاريح وجمارك، اختلفت الأسباب والنتيجة واحدة وهى عزوف شركات الإنتاج العالمية عن تصوير أعمالها فى مصر، بل لنكن محقين فحتى البرامج باتت مؤخرا تصور بين لبنان ودبى للتخلص من الإجراءات والتصاريح والتكاليف الباهظة وعدم توفير السبل الكافية للعاملين بها.

أثارت زيارة مورجان فريمان فى مصر ضجة كبيرة خاصة بعد تصريحات رئيس رقابة المصنفات الفنية عبدالستار فتحى بأنه خاطب الأمن الوطنى لمعرفة تفاصيل زيارة فريمان لمصر، بالإضافة لعدم حصوله على تصريحات للتصوير من الجهات الرقابية فى مصر!

فيما جاءت اعتراضات أخرى حول الفيلم الذى يصوره ويتناول فكره الألوهية، وهى بالتأكيد خط شائك فى مصر يواجه اعتراضات من الرقابة والأزهر وحتى المجتمع الذى يعانى من حالة ازدواحية فى السنوات الأخيرة، وبعد الزوبعة التى حدثت يبدو أن الدولة تخوفت من الصورة السلبية التى قد ينقلها فريمان، فبدأت تصريحات لحفظ ماء الوجه وتحسبا لمزيد من الهجوم، من نوعية أنه كان من المفترض أن يتم استقباله إلا انه لم يتم العثور على محل اقامته! فيما استقبله وزير السياحة وسط التقاط مجموعة من الصور يظهر خلالها النجم العالمى وهو يحمل يافطة egyept لتنشيط ودعم السياحة المصرية، وكأن تلك الصور التى تم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعى كافية لتكون دعاية جيدة للسياحة التى تمر بأزمة منذ سنوات، ضاربين بعرض الحائط قيمة الفن فى أن يكون خير وسيلة لنقل الصورة الحقيقية والجمالية للمكان، وخير مثال على ذلك كانت زيادة الإقبال على السياحة فى تركيا بعد انتشار الأعمال والمسلسلات التركية فى الوطن العربى، وايضا الإمارات وبالتحديد دبى التى قدمت تسهيلات بسخاء من أجل التصوير بها فأصبحت قبلة للكثير من نجوم العالم، لتبعد مصر تماما عن الصورة السينمائية العالمية بعد أن كانت من أهم البلدان التى تحتفى بها السينما العالمية.

1

قصة سيدنا موسى تحت رعاية عبدالناصر

فى خمسينيات القرن الماضى حينما قرر المخرج الكبير سيسل بى ديميل تصوير فيلم عن سيدنا موسى بعنوان the ten commandment «الوصايا العشر» تعامل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر من منطلق «لكم دينكم ولى دينى» فلم يرفض تصوير العمل تحججا بوجهة النظر التى قد يتناولها المخرج أوالمؤلف لقصة سيدنا موسى بالرغم من انها تختلف فى الكتب السماوية الثلاث سواء القرآن والإنجيل والتوراة، بل سهل عبدالناصر للمخرج كل السبل لإخراج الفيلم حتى إن المخرج فى أحد تصريحاته أبدى دهشته من التسهيلات والصلاحيات التى حصل عليها.

الفيلم تم تصوير أحداثه بين جبل موسى جنوب سيناء وأبو رواش ومدينة بنى سويف والأقصر، الفيلم استمر عرضه فى الولايات المتحدة الأمريكية فى عيد الفصح منذ عام 1973 وحتى عام 1999 لتتوقف شبكة abc عن عرضه إلا انها تلقت مكالمات عديدة من المشاهدين الذين اعتادوا على رؤيته كل عام وحتى الآن يعرض الفيلم حيث وصلت نسبة المشاهدة فى ابريل الماضى نحو 7 ملايين مشاهد والفيلم بطولة شارلتون هيبستون وبول برونر وان باكستر.

وبعد سنوات من نجاح الفيلم قرر المخرج ريدلى سكوت تقديم رؤية جديدة مختلفة عن موسى فى فيلم «الخروج» the exodus gods and kings وعلى الرغم من أن القصة تدور أحداثها فى مصر إلا أن صناع العمل اختاروا المغرب بديلًا ليتم تصوير الفيلم هناك، وحتى مشاهد البحر الأحمر تم التقاطها على احد شواطئ جزر الكنارى ومدينة المرين فى اسبانيا، والفيلم منع من العرض فى مصر لتناوله قصة سيدنا موسى بعد مواجهات مع الأزهر والرقابة.

ولم يكن فيلم الوصايا العشر هو العالمى الوحيد الذى انتج فى عهد ناصر فهناك ايضا فيلم vally of the kings 1954 الذى قام ببطولته روبرت تايلو واليبور باركر وتدور قصته عن عالم اثار أمريكى يتوجه إلى مصر، للبحث عن مقابر فرعونية اثرية فيما يتعرف هناك على الفتاة ميرسن التى تطلب منه مواصلة البحث معها عن رحلات النبى يوسف فى مصر القديمة، الفيلم تم تصويره فى مدينة الاقصر، وكانت المصادفة أن الفنان رشدى اباظة تشابه إلى حد كبير مع بطل الفيلم فتم الاستعانة به كدوبلير له فى بعض المشاهد وهو أول عمل له فى السينما كما شاركت أيضا سامية جمال فى الفيلم بدور صغير.

2

مصر بطلة أفلام عالمية

وحتى بعد عبدالناصر لم تغب مصر عن الشاشة العالمية بل كانت محور بعض الأفلام المهمة منها جريمة على النهر» death on the nile والمأخوذ عن رواية للكاتبة أجاثا كريستى وهو إنتاج عام 1978 ومن اخراج جون جويلر وبطولة مايا فارو وبيت ديفيس وماجى سميث. فريق العمل استقر فى مصر لمدة سبعة أسابيع، حيث تم التنقل بين القاهرة وأسوان وأبوسمبل لمدة ثلاثة أسابيع فيما تم تصوير باقى الوقت فى باخرة نيلية وكانت الأحداث الرئيسية للعمل تدور فى معبد الكرنك وتضمن بعض المشاهد أيضا تسلق الأبطال للهرم الأكبر كما تم تصوير مشاهد أخرى فى فندق سوفتيل جراند كاتراكت فى أسوان، الفيلم عرض ضمن الأوسكار ليحصل على جائزة افضل تصميم أزياء.

أما فى فيلم cairo time فكانت القاهرة بكل سحرها هى بطلة العمل الذى يدور عن جولييت التى تقضى اجازتها فى القاهرة ولكن يتعطل زوجها عن اللحاق بها حيث يعمل فى غزة فيطلب من صديق مصرى له أن يعتنى بها وتبدأ جولة فى شوارع القاهرة، ليأخذنا المخرج فى جولة بصرية فى مصر بين المطار والأهرامات وخان الخليلى وفندق شيبرد بحميمة ممزوجة بالأحداث حيث تقع البطلة فى حب الشاب المصرى.

الفيلم تم انتاجه فى عام 2009 حيث شاركت المصرية منى هلا بدور صغير فيه وقامت ببطولته الأمريكية باترشيا كلاركسون والسودانى الكسندر صديق واخراج روباندا.

أيضا من ضمن سلسلة أفلام جيمس بوند فيلم the shy who loved me الذى قدمه روجر مور وتم تصويره فى ابن طولون بالقاهرة وابوسمبل فى مدينة الأقصر.

كما صور الفنان الهندى الشهير اميتاب باتشان فيلمه kabhi khushi kabie gham فى مصر.

3

الهروب إلى المغرب وتونس ودبى

وسط العراقيل التى يواجهها صناع السينما فى مصر جاء القرار بالهروب إلى الدول التى تعطى تسهيلات فى التصوير مثل المغرب وتونس.

ففيلم the mummy الذى تدور أحداثه فى المتحف المصرى وهو من إنتاج عام 1999 فتم تصويره بالكامل فى المغرب بميزانية تجاوزت 80 مليوناً حيث حقق الفيلم 45 مليون دولار ايرادات، قرر صناع الفيلم الاستعانة بالمغرب بدلا من مصر حيث إن مشاهد السوق كانت فى مدينة مراكش المغربية أما المبنى المستخدم فى الفيلم على اعتبار أنه المتحف المصرى فى الأحداث فكان أحد المبانى الحكومية فى مراكش.

أما فيلم المريض الإنجليزى the English patient الحاصل على تسع جوائز أوسكار والذى تدور أحداثه بالكامل فى القاهرة وبالتحديد فى فترة الأربعينيات قرر صناع العمل تصويره بين تونس وايطاليا والابتعاد تماما عن مصر ليس فقط بسبب المشاكل التى يتم مواجهتها أثناء التصوير ولكن الأمر توقف ايضا على أن القاهرة لم تعد بالشكل الذى يتناسب مع مرحلة الاربعينيات فى القرن الماضى ولا يوجد استوديوهات مناسبة أو جيدة لهذه الفترة، فتم تصويره فى تونس التى كانت مناسبة بشكل أكبر ومطابقة للفترة الزمنية الخاصة بالفيلم، أما فندق شيبرد وبعض المناطق القديمة فى القاهرة التى دمرت فى الخمسينيات فتم تصويرها فى فندق دى بانديس الكبير فى ايطاليا، وهو ما أكده فريق العمل، فقالوا تصريحات لهم بأنهم وجدوا صعوبة فى الوصول إلى كثير من الأماكن فى مصر.

4

أفلام المريخ تصور فى الأردن

ابتعدت مصر تماما عن المشهد العالمى، خاصة أن المجال السينمائى لم يعد حكرا عليها، وسط الدول التى باتت تعى جيدا قيمة وأهمية السينما والفن فى دعم السياحة.

ففى فيلم «مهمة مستحيلة» لتوم كروز وجد النجم العالمى كل التسهيلات للتصوير فى برج خليفة أعلى بنايات الإمارات، وفى الجزء الأخير من الفيلم اتجه كروز للتصوير فى المغرب التى قدمت تسهيلات كبيرة من أجل التصوير منها غلق طريق مراكش السريع لمدة 14 يوماً كما تم اغلاق استاد مراكش ليومين لنفس الاسباب.

وأخيرا فوادى الرم بالأردن شهد تصوير فيلم ذيب المرشح حاليا للوصول للقائمة القصيرة فى منافسات أوسكار أفضل فيلم أجنبى لعام 2016 بعد أن صورت أفلام عن المريخ منها مهمة للمريخ والكوكب الأحمر وآخر أيام على المريخ، حيث أن المكان اقرب فى التكوين على كوكب المريخ.

الأمر ليس صعبا، والمهمة ليست مستحيلة فلنترك للفن رؤيته وجماله دون التنظير حول وجهة نظره الدينية ورؤيته السياسية، وبدلا من دعم السياحة بحفلات غنائية لمطربات درجة عاشرة فالأسهل هو كسر العراقيل والروتين وتسهيل تصوير الأعمال فى مصر لعل وعسى نعود مجددا للشاشة بدلا من الدول التى سحبت البساط باحترامها قيمة الفن.